لم تكن غزوة بدر الكبرى، مجرد انتصار تاريخي استبطن خرقا لنواميس الكون فحسب، بل كانت درسا ربانيا قدمه محمد بن عبد الله النبي الرسول - عليه الصلاة والسلام - الذي غير مجرى تاريخ البشرية، وجدد دورة الحضارة لتسير وفق رسالته الخاتمة، فكانت غزوته هذه خلاصة منهجه في مجال " الجهاد / القتال " لما تحمله من معالم هادية للأمة المسلمة في كل زمان ومكان، تتيح لهم - إن تدبروها - بعقل مسلح بهدي النبوة، وأدوات المنهج العلمي، مستوعب لشروط النصر، وسنن التاريخ، ومنفتح على الواقع البشري؛ أن يهتدي إلى مفاتيح النصر التي أضاعتها هذه الأمة منذ زمن بعيد، ويتجنب الفتن المتلاحقة. كيف يمكن أن نخرج غزوة بدر الكبرى من ظرفيتها التاريخية، إلى بعدها الرسالي المتجدد، ودلالتها الحضارية العميقة، لنستخلص منها شروط الجهاد، بدل الاستغراق في سرد الأحداث، وضبط الأعداد والأسماء، كما لو كان الأمر يتعلق بقرآن نتلوه تعبدا بلفظه. 1 - الانتقال من مرحلة الاستضعاف وفقهها إلى مرحلة التمكين ومنهجها. إن غزوة بدر الكبرى كانت فرقانا بين مرحلتين مختلفتين فقها ومنهجا، مرحلة: " الاستضعاف" التي لا يجوز للمسلم فيها أن يحمل سلاحا، ولو من باب الدفاع عن النفس، امتثالا لواجب التقيد بمبدأ الصبر والاحتساب الذي تفرضه الحكمة : { كفوا أيديكم} " صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة" إلى مرحلة " القوة والتمكين" ، التي لا يجوز فيها للمسلم أن يرضى المذلة أو يقبل الهوان؛ لأنها محكومة بقاعدة { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا } . 2 – الجهاد شرع حماية للدولة الإسلامية القائمة إن إعلان الجهاد إنما فرض بعد تكون المجتمع المسلم، وقيام الدولة الإسلامية المستقلة؛ حماية لها من القوى التي تبيت لها الشر؛ ولم يأت ابتداء لإنشاء هذه الدولة من العدم، ذلك أن الجهاد بما يحمله من عنصر إكراه لا يمكن أن ينشئ عقيدة أو يوجد أمة؛ لأن المكرَه مسلوب الإرادة أسير من يملك القوة وليس تابعا لمن يملك الحق. 4- لإعلان الجهاد وظيفة المجتمع المسلم إن الجهاد لا يجوز لفرد مهما كانت منزلته أن يعلنه ما لم يستشر الأمة أو ممثليها الشرعيين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم – وهو المعصوم - لم يدخل الحرب يوم بدر من تلقاء نفسه، أو يكتف بموافقة ممثلي المهاجرين أبي بكر وعمر له على ذلك؛ ، بل استمر في الإلحاح على طلب رأي" الناس " : الأغلبية وهم الأنصار، حتى أعلنت ممثلها سعد بن معاذ موافقتها، وما ذلك إلا لأن نتائج الحرب قد تتجاوز القيادة السياسية المتمثلة في الرسول صلى الله عليه وسلم لتمس الأنصار، وليس في بيعة العقبة التي بموجبها ولدت الدولة الإسلامية ما يلزمهم بالدفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم خارج المدينة. 5 – الجهاد وسيلة وليس غاية في حد ذاته إن الجهاد في الإسلام وسيلة إلى إعزاز الدين وليس غاية في حد ذاته، يقول العلامة العز بن عبد السلام في كتابه " قواعد الأحكام في مصالح الأنام" : " الجهاد ليس بشريف في نفسه وإنما وجب وجوب الوسائل، قال الله تعالى { ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نوتيه أجرا عظيما } فجعل الأجر العظيم للقتلى والغالبين، والغالب أفضل من القتيل؛ لأنه حصل مقاصد الجهاد، وليس القتيل مثابا على القتل لأنه ليس من فعله، وإنما يثاب على تعرضه للقتل في نصرة الدين" ومن المعلوم أن الوسيلة إن كانت لا تؤدي إلى الغاية التي من أجلها شرعت؛ فإنها تفقد شرعيتها وقد مثل لذلك صاحب الاستقصاء بما لو كان " ضرر الجهاد مقصورا على قتل نفوس الكفار واستلاب أموالهم، وكان ضرر الكفار على المسلمين عائدا على تملك بلادهم وتنقصها من أطرافها" 6 – ضرورة وجود قيادة شرعية إن الجهاد في سبيل الله يستدعي وجود قيادة شرعية يأتمرون المسلمون بأمرها، حتى لا تتعدد مصادر اتخاذ القرار السياسي أو العسكري، فيدب الخلاف بين المسلمين، ويبدأ التنافس وربما الاقتتال الداخلي بينهم. 7 – إعداد العدة المكافئة إن الجهاد يقتضي من المسلمين إعداد العدة المكافئة أو القريبة منها، حتى لا يكون حال المسلمين مع أعدائهم كما مثل له صاحب الاستقصاء : " وما مثلنا ومثلهم إلا كمثل طائرين أحدهما ذو جناحين يطير بهما حيث شاء والآخر مقصوصهما واقع على الأرض لا يستطيع طيرانا ولا يهتدي إليه سبيلا فهل ترى لهذا المقصوص الجناحين الذي هو لحم على وضم أن يحارب ذلك الذي يطير حيث شاء " ، ولولا أن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج مسرعا لاعتراض العير لكان عدد المسلمين وعدتهم أكبر. وعلى ضوء هذه الومضات السريعة يمكن أن ننزل أعمال الجماعات الإسلامية المسلحة التي تمارس العنف باسم الجهاد فنقول: 1 - الرسول صلى الله عليه وسلم أعلن الجهاد وهو في مرحلة القوة والتمكين، وهؤلاء يعلنون الجهاد/ الخروج وهم في مرحلة استضعاف شاملة وعلى جميع المستويات؛ ولذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج يقود الجيش علانية لقتال الكفار، وهؤلاء يختبئون في الجبال والمغارات، ويرسلون أتباعهم خلسة لترويع الآمنين. 2 – الرسول صلى الله عليه وسلم كان يمثل الأمة المسلمة تمثيلا شرعيا كاملا انعقدت له البيعة ورضي الناس به قائدا دينيا وعلميا وسياسيا، وهؤلاء لا يمثلون إلا أنفسهم، أو جماعاتهم الضيقة، وليس لهم من تمثيل أنهم لا يمكن أن يقودوا أمة تمثل أكثر من خمس البشرية 1/5 . يقول العلامة إمام الحرمين في كتابه غياث الأمم في التياث الظلم، : " وأما الجهاد فموكول إلى الإمام ثم يتعين عليه إدامة النظر فيه على ما قدمنا ذكره فيصير أمر الجهاد في حقه بمثابة فرائض الأعيان والسبب فيه أنه تطوق أمور المسلمين وصار مع اتحاد شخصه كأنه المسلمون بأجمعهم" . 3 – أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقام دولة إسلامية ذات كيان سياسي مستقل، ثم مارس الجهاد حماية لهذا الكيان السياسي القائم، وهؤلاء يكفرون الأنظمة الإسلامية وأعوانها – كما هو الحال بالنسبة إلى القاعدة والجهاد - وبعضهم يعتبر المجتمع كله كافرا – كما هو الحال بالنسبة إلى جماعة التكفير والهجرة - . 4 – أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستبد برأيه في خوض الحرب؛ وإنما استشار ممثلي الأمة، وهؤلاء يخوضون الحرب مستبدين بآرائهم لم يستشيروا سواهم، مقتدين في ذلك بالخوارج الذين تستروا باسم الجهاد، لقتل المسلمين، وجهلوا أن من يبيح لنفسه أن يخرج على من يخالفه في الرأي قد أباح للمخالف أن يفعل الشيء ذاته . 5 - أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما خاض الحرب بعد أن أعد العدة { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } وعلم أن النصر ممكنا وأن الجهاد قد يثمر غايته وهي إعلاء كلمة الله، وهؤلاء يخوضون حربا محسومة النتائج لصالح أعدائهم، لم تثمر سوى أنها كانت ذريعة لاحتلال أرض المسلمين وتجفيف منابع التدين وإغلاق المؤسسات الخيرية. 6 – أن الصحابة خاضوا الجهاد وهم تحت قيادة واحدة إليها المرجع في إعلان الحرب، وعقد اتفاقات السلام، وهؤلاء يخوضون حروبهم تحت قيادات متصارعة ليس بينها من رابط إلا استباحة دماء المسلمين وغيرهم من الأبرياء 7 – أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يخوض الجهاد باسم الأمة تحقيقا لمصالحها الكبرى، فيسالم يهود المدينة ويقبلهم جزءا من كيان الدولة المسلمة الناشئة، ويحارب مشركي مكة، وهؤلاء يخوضون حربا بالوكالة عن الدول العظمى ليس فيها من مصلحة للإسلام ولا للمسلمين إلا التمكين لأعداء الله. 8 - أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن متشوفا إلى سفك دماء الكفار، وإزهاق أرواحهم، فعامل أسرى بدر بما تقتضيه طبيعة الرحمة التي جبل عليها قلبه؛ لأنه صاحب رسالة يروم نشرها، وليس صاحب ثأر يروم الانتقام وإذلال أعدائه، وهؤلاء مجموعة من " الساديين" همهم القتل والتدمير وإشاعة الرعب ونشر الخوف لقد وصل بهم فكرهم إلى حد اعتبار قتال حكام المسلمين أولى من قتال الكفار الذين يحتلون بلاد الإسلام، يقول محمد عبد السلام فرج في كتابه " الفريضة الغائبة " : " إن قتال العدو القريب أولى من قتال العدو البعيد" ويقصد بالعدو القريب حكام المسلمين الذين يقول عنهم " فحكام هذا العصر في ردة عن الإسلام" ويقول منظر جماعة الجهاد وواضع دستور القاعدة الدكتور سيف إمام في كتابه: " العمدة في إعداد العدة للجهاد": " قتال هؤلاء الحكام المرتدين مقدم على قتال غيرهم من الكفار الأصليين من يهود ونصارى ووثنيين" ويصنف الدكتور أيمن الظواهري في كتابه " الحصاد المر الإخوان المسلمون في ستيـــن عامــــا " جهاد حكام المسلمين بأنه من : " الجهاد العيني الواجب ضد تلك الحكومات المرتدة التي تحكم بلاد المسلمين ". وتقول الجماعة السلفية للدعوة والقتال " : القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي " في ميثاقها " المقصد الحادي عشر: قتال النّظام الجزائري المرتد الممتنع عن الشّرائع " ويقرر صاحب كتاب "الكواشف الجلية في كفر الدولة السعودية" كفر الدولة السعودية وجميع دول العالم الإسلامي الأخرى من باب أولى معتبرا أنها أخطر على الإسلام من الكفار الأصليين محتجا بقوله :" ومن المعلوم بداهة أن العدو الخفي أدهى وأخطر من العدو الظّاهر ومن يعادي الدّين علانية أهون شرّاً ممّن يتلوّن ويتخفى في عدائه، ولأجل ذلك كان المنافقون في الدّرك الأسفل من النّار" . إن هذا الفكر ذي المرجعية الخارجية، يبين بجلاء أن ما يسمى "الجماعات الإسلامية المسلحة" أبعد ما تكون من هدي النبوة في الجهاد، وأقرب ما تكون إلى منهج الخوارج.
الاربعاء, 17 اكتوبر, 2007
أضف تعليقا
اضيف في 19 اكتوبر, 2007 08:10 م , من قبل medelmehdi
من موريتانيا
من موريتانيا

الأخ الكريم
حسن يحيى العذاري
شكرا لك على التعليق الذي أثرى الموضوع وأضاف إليه ما يزيده عمقا وشمولا
بوركت
محمد المهدي
اضيف في 20 اكتوبر, 2007 03:02 م , من قبل aminamoulay
من موريتانيا
من موريتانيا

صلى الله عليك يارسول الهدى
واسال الله ان يرزق الامة حسن اتباعك فى جهادك وسلمك
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












خي الغالي محمد مهدي
شكرا لك على زيارتك لمدونتي والتي اعتز بها كونك من تفضل لكونه اثر تكرما
جميل هو موضوعك عن الجماعات المسلحة والتي من عنوانها تعطي خيبة امل لاسباب هي
اولا: ان كلمة جماعات تدل على التفكك وعدم التوحد والا لكانت جماعة
ثانيا: اختلاف الرؤية والهدف لانها لو امتلكت رؤية واحدة او هدف واحد لكانت تحت راية واحدة
ثالثا: الابتعاد عن المنهج المحمدي الاصيل من خلال السير وراء الركب الصهيوني المتمرك من خلال اشاعة روح البغضاء بين المسلمين انفسهم فلم تعد هناك حرمة لمن يقول لا اله الا الله محمد رسول الله من خلال مسميات سنية وشيعية متناسين اخوتهم الدينية
رابعا: ضعف القيادة الدينية بصورة عامة وعدم تقبل النقد وركضها وراء صغائر الامور متناسية الهم الاكبر
دمت اخا كريما وعذرا للاطالة
اخوك
حسن يحيى العذاري