الفكــــــــــــــــــــر البنــــــــــــــــــاء
صفحة تهتم بالقضاياالفكرية والسياسية والاجتماعية

الإسلاميون وسؤال الدولة *

 
 
تتشعب خارطة الإسلاميين إلى اتجاهات فكرية وسياسية متباينة إلى أقصى الدرجات سواء في تصورها لطريق الإصلاح والتغيير ومستوياته أو طبيعة الدولة التي ينشدونها بين من يرون في نموذج طالبان مثالاً لما يريدون ومن يرون في الدول الأوروبية النموذج المطلوب.
إذن، لا بد من تعريف بالاتجاهات الإسلامية العامةابتداءً، لتحديد موقع الاتجاه الإسلامي المدني- الديمقراطي بينها وسماته العامة..
يختلف الإسلاميون حول سياسات الإصلاح والتغيير، فيذهب الاتجاه الأول "الجماعات الجهادية" إلى تبني طريق العمل المسلح ضد "العدو القريب" (النظم) أو "العدو البعيد" (الولايات المتحدة وحلفائها) تبعا لرؤيتهم لأسباب الضعف والاستضعاف. أما الاتجاه الثاني فيرفض مبدأ العمل المسلح في المراحل الأولى، لكنه يرفض أيضا المشاركة في اللعبة السياسية ومخرجاتها (حزب التحرير نموذجا، العدالة والإحسان في المغرب الذي يرفض القواعد الحالية للعبة السياسية)، وهنالك الاتجاه "اللاسياسي" بشقه الاجتماعي (الصوفية، جماعة التبليغ والدعوة) العلمي (السلفية التقليدية) الذي إن كان لا يتبنى العمل السياسي مباشرة فإنّ لموقفه هذا أبعاد ودلالات سياسية أيضا، وأخيرا هنالك الاتجاه الذي يتبنى مبدأ المشاركة في اللعبة السياسية وتمثله بدرجة رئيسة جماعات الإخوان المسلمين في المشرق العربي والنهضة في تونس والعدل والتنمية في المغرب والسلفيون الإصلاحيون وأحزاب إسلامية شيعية في الخليج العربي).
أما تصور الإسلاميين للدولة، فيرى عبد الإله بلقزيز في كتابه "الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر"، أنّ هنالك أربعة خطابات إسلامية تحدد هذا التصور؛ الخطاب الإصلاحي الأول (جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، الكواكبي، الطهطاوي، خير الدين التونسي، وابن أبي ضياف..)، الخطاب السلفي الشرعي (يمثله رشيد رضا في كتابه الإمامة العظمى)، الخطاب الإخواني (يمثله حسن البنا ويمتاز بشيء من الغموض والمنطقة الرمادية في المواقف الفكرية- السياسية من العديد من القضايا)، خطاب الحاكمية (سيد قطب، المودودي، عبد السلام فرج) ويرى بلقزيز أنّ فيه شبهة الثيوقراطية (أقرب إلى الشمولية).
أرى أن تصنيف بلقزيز يمكن الاستدراك عليه بعدة ملاحظات رئيسة:
- أنّ هنالك ستة خطابات وليس فقط أربعة؛ فسيد قطب والمودودي وإن كانت الجماعات الجهادية قد تأثرت بأفكارهما، بالتحديد في مفهوم الحاكمية وفي نقد الديمقراطية كمفهوم غربي، إلا أن تصور "الجهاديين" للدولة الإسلامية أخذ مسارا مستقلا ذا أبعاد مختلفة عن نظرية قطب- المودودي في "الحاكمية"، وهنالك اليوم العديد من الكتاب الذين يصوغون الرؤية الفكرية- السياسية لهذه الجماعات (أبو قتادة الفلسطيني، أبو محمد المقدسي، عبد المنعم حليمة أبو بصير، الظواهري..)، ما يعني ضرورة الفصل بين خطاب المودودي وقطب وبين خطاب الجماعات الجهادية.
- كما أنّ مقالة علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم" في نفي مفهوم الخلافة عن الأصول الإسلامية التشريعية تمثل خطابا إسلاميا آخر، خاصة أنّ جيلا جديدا من الكتاب والباحثين الإسلاميين يستأنف اليوم مقالة عبد الرازق في التساؤل عن طبيعة الدولة الإسلامية المطلوبة مقتربين من مفهوم "العلمانية المؤمنة"، من خلال إعادة تعريف العلمانية والتمييز بين مستوياتها المختلفة، أي بين العلمانية الكلية والجزئية والعلمانية المحايدة و"اللائكية".
وتمثل تجربة حزب العدالة والتنمية التركي أنموذجا في تحفيز قوى سياسية إسلامية على القبول بالديمقراطية بشروطها النهائية مع عدم الرجوع عنها لاحقا، وهو ما يضعنا أمام صيغة جديدة للأحزاب الإسلامية أقرب إلى "الأحزاب الأوروبية المحافظة"، كما وصف حزب العدالة والتنمية نفسه، أو بصيغة أدق إلى الأحزاب "المسيحية الديمقراطية" التي تتبنى أهمية وجود دور فاعل للقيم الدينية- الأخلاقية في المجتمع، لكن مع الحفاظ على الحريات العامة وحقوق الإنسان والنظام الديمقراطي الراسخ، بما يقوم بدوره على إعادة تعريف الوظيفة السياسية والمدنية للدين في السياق الاجتماعي والسياسي العام.
- لم يلتفت كثيرا بلقزيز إلى مساهمات التيار الإصلاحي المتأخر في نظرية الدولة الإسلامية، وبالتحديد (محمد سليم العوا، طارق البشري، أحمد كمال أبو المجد، فهمي هويدي، ويمكن أن يضاف إليهم عبد الوهاب المسيري)، وهي مساهمات على درجة كبيرة من الأهمية والتواصل مع الفكر الإصلاحي الأول، وفي تعزيز وترسيخ مفهوم الديمقراطية عند الإسلاميين.
إذن؛ وبناء على الخطابات الإسلامية المتعددة، فإنّ الإسلاميين المرشحين للعب دور إيجابي، يساهم في بناء روافع للديمقراطية في العالم العربي، هم من يتبنون مبدأ التغيير والإصلاح من خلال اللعبة الديمقراطية وصناديق الاقتراع والعمل الشعبي المدني المنظم، ويدافعون النظم العربية لشق طريق معبد للإصلاح، وهم من يؤمنون بالدولة المدنية الديمقراطية بما تتضمنه من قبول بالتعددية السياسية وتداول السلطة سلميا وحقوق الإنسان والحريات العامة وحق التعبير...الخ.
المؤشرات السابقة تنطبق ـواقعياـ بدرجة رئيسة على اتجاه "العلمانية المؤمنة" الذي قطع شوطا رئيسا في إعادة تعريف مفهوم الدولة الإسلامية، وبدرجة قريبة ـمع نسبة ضعيفة من التحفظ- على التيار الإصلاحي الأول والثاني، وبدرجة أقل على تيار الإخوان المسلمين، مع وجود مساحة رمادية في المواقف.
رصد التطور العملي للخطاب الإسلامي في العقود الأخيرة نجد أن هنالك خطا بيانيا صاعدا باتجاه القبول بالديمقراطية والتعددية السياسية والفكرية وإعادة تعريف الدولة الإسلامية، فقد كتب أحمد كمال أبو المجد "رؤية إسلامية معاصرة" (1981) ونشره بعد عشر سنوات، يتحدث فيه عن أصول وقواعد الرؤية الإسلامية في الإصلاح السياسي، ويرى أن الحاجة ماسة إلى بناء تيار إسلامي معتدل مستنير مؤكدا على قيمة الحرية في الرؤية الإسلامية.
كما انخرطت الأحزاب الإسلامية في فترة التسعينات في تجارب المشاركة السياسية، ومع وجود العديد من الانتكاسات - كالتجربة الجزائرية- إلا أنّ الظاهرة الإسلامية تجاوزتها، وظهرت تجارب وأفكار إسلامية متقدمة تمثل مرحلة أخرى من التطور باتجاه الديمقراطية كتجربة حزب الوسط المصري التي لم يكتب لها الولادة السياسية القانونية إلا أنها مثلت خطابا إسلاميا أكثر اقترابا من الديمقراطية والتعددية. وتجربة الإسلاميين التقدميين في تونس، الذين أكدوا على أهمية "المسألة الثقافية وأولويتها" وضرورة إصلاح المفاهيم الدينية لبناء مسار صحيح للإصلاح السياسي. في السنوات الأخيرة جاءت تجربة حزب العدالة والتنمية التركي لتمثل قفزة في طبيعة العمل الإسلامي، من خلال إعادة هيكلة بنية الخطاب الإسلامي ذاته وترحيله بالكلية إلى التوافق مع العلمانية والديمقراطية بعيدا عن شعار "الإسلام هو الحل"، وإن كان هنالك خصوصية للتجربة التركية، وعدم قدرة على تعميمها على الدول العربية، إلاّ أنّ ثمة انعكاسا كبيرا لهذه التجربة على الأحزاب الإسلامية العربية. ويمثل حزب العدالة والتنمية المغربي مرحلة متقدمة أيضا على الأحزاب الإسلامية الأخرى، وكذلك تجربة حزب "البديل الحضاري".
أمّا جماعات الإخوان المسلمين التي تمثل القوى الإسلامية الرئيسة في دول المشرق العربي فقد قدمت مبادرات سياسية متطورة في السنوات الأخيرة، وإن كانت احتفظت بكلاسيكية الحل الإسلامي إلا أنها حسمت موقفها في المناطق الرمادية المرتبطة بالتعددية وتداول السلطة والديمقراطية..الخ.
وفي سياق فكري موازٍ ظهرت نخب من الباحثين والمفكرين الإسلاميين تقوم بمراجعة الخطاب الإسلامي وتقدم معالم خطاب إسلامي جديد، فبالإضافة إلى أحمد كمال أبو المجد وطارق البشري وفهمي هويدي ومحمد سليم العوا هنالك عبد الوهاب المسيري وعدد من الباحثين في العلوم السياسية (سيف عبد الفتاح، نادية مصطفى، هبة عزت، هشام جعفر، مصطفى منجود، منى أبو الفضل، وغيرهم) وتقترب من هذا الخط، بتحفظ أكثر، كتابات محمد عمارة، بالإضافة إلى المراجعات التي حدثت لدى الجماعة الإسلامية بمصر وصدرت بأربعة كتب، وتوازت مع تحولات فكرية لعدد من الباحثين ذوي المرجعية الجهادية والسلفية السابقة (كمال حبيب وجمال سلطان).
في سورية تمثل تجربة مجموعة شباب الملتقى الفكري خطابا إسلاميا يتسم بروح ليبرالية (رضوان زيادة، عبد الرحمن الحاج، عبد الرحمن حللي، معتز الخطيب) وقد أصدروا بعض الكتب التي تعبر عن اتجاههم الفكري، ولهم موقع على شبكة الانترنت. وهنالك التجربة السلفية الإصلاحية في السعودية التي شهدت قفزة كبيرة في السنوات الأخيرة، مقارنة بطبيعة الخطاب السلفي، ومثّلت رسالة "على أي أساس نتعايش" في الرد على رسالة المثقفين الأميركيين "على أي أساس نقاتل" مرحلة جديدة في خطاب السلفية الإصلاحية. كما أنّ هنالك حركة إسلامية سلفية نشيطة في الكويت، وقد أصدر الحاكم المطيري (أحد القيادات السلفية في الكويت) كتاب "الحرية أو الطوفان: دراسة موضوعية للخطاب السياسي الشرعي ومراحله التاريخية" الذي يمثل نقلة نوعية في الرؤية السلفية يقترب فيه من خطاب الإصلاحية الأولى.
أما على صعيد الخطاب الشيعي، فيقدم محمد حسين فضل ومهدي شمس الدين وآية الله منتظري خطابا شيعيا متقدما على صعيد القبول بالديمقراطية والتعددية السياسية والفكرية، بالإضافة إلى نخبة من الباحثين الشيعة (زكي الميلاد، محمد محفوظ، توفيق سيف وغيرهم) وتمثل مجلة الكلمة نموذجا على هذا الاتجاه. في العراق أيضا ثمة إشارات على اتجاهات فكرية وسياسية إسلامية سنية وشيعية تقبل ـ على المستوى الفكري ـ بالديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية
ن مصادر قوة الحركات الإسلامية أنها تحظى اليوم بنفوذ شعبي كبير داخل المجتمعات العربية، وأنها تمثل الطبقات الوسطى في العديد من هذه المجتمعات، وأنها ذات جذور ثقافية وفكرية راسخة، لذلك فإن الإسلاميين سواء كانوا مفكرين أو أحزاب أو جماعات أو قوى مجتمع مدني مؤهلون بالفعل للعب دور رئيس في نقل المجتمعات العربية إلى مرحلة من الإصلاح العام، لكن هذا يتطلب منهم قراءة دقيقة لهذه المرحلة الانتقالية واللحظة التاريخية. والمطلوب ليس فقط التقدم بمبادرات سياسية تؤكد التزامهم بقواعد اللعبة الديمقراطية بل أن يترافق ذلك مع عملية اجتهاد وتجديد في الخطاب الديني والفقهي يقوم على قراءة اجتهادية إسلامية للنصوص قادرة على التعامل مع العصر ومشكلاته بروح من الجرأة على الانفتاح والتطوير.
مشكلة كثير من الحركات الإسلامية، وبالتحديد جماعة الإخوان المسلمين، أنها تقدم خطابا سياسيا يشير إلى حسم المسار نحو القبول بالديمقراطية والتعددية، لكن هذا لا ينعكس على أدبياتها الفكرية بصورة واضحة ولا على مناهج التنشئة في أطرها التنظيمية، التي لا يزال كثير منها يعتمد أدبيات وكتب تقول الجماعة أنها تجاوزتها. إذ لا يمكن القبول بأن الإسلاميين يؤمنون بصورة مدنية- ديمقراطية للإصلاح السياسي دون أن يتوازى ذلك مع قيام هذه الحركات بدورها في عملية إصلاح ديني وتنويري نحو المجتمعات العربية من خلال بناء رؤية جديدة للوظيفة الاجتماعية والسياسية للدين تقوم على تعزيز مبدأ المواطنة والمسؤولية المدنية والأخلاقية وقيم الحياة اليومية الأخلاقية (الصدق، الأمانة، احترام الوقت، احترام العمل) وأهمية التنمية الاقتصادية..الخ.
في الخلاصة؛ إذا كانت النظم العربية لا تزال تقف حائلا أمام مشاركة سياسية فاعلة للإسلاميين، فإن المطلوب مزيدا من تطوير الخطاب والممارسة الإسلامية باتجاه الديمقراطية والتعددية والمدنية وبناء وظيفة اجتماعية وسياسية حضارية إيجابية للدين، فإنّ هذا المسار وحده الكفيل بجعل الإسلاميين قوى رافعة للإصلاح السياسي باتجاه الديمقراطية، ما يتطلب أن تكون الديمقراطية أولوية للحركات الإسلامية تقود المجتمعات العربية اتجاهها.

 

منقول من مجلة العصر الألكترونية 

 

(4) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 22 اكتوبر, 2007 11:47 ص , من قبل aminamoulay
من موريتانيا

لماذا الموضوع مبيض لم ار غير العنوان او الصفحة البيضاء هل هناك خلل ام تراجعت عن نشر الموضوع ؟...


اضيف في 22 اكتوبر, 2007 11:52 ص , من قبل aminamoulay
من موريتانيا

اه هاهو الموضوع يظهرلي متقطعا بعد ما ضقطت على زر الفارة


اضيف في 22 اكتوبر, 2007 05:45 م , من قبل medelmehdi
من موريتانيا

الأخت أمينة
السلام عليكم ورحمة الله
شكرا على المرور


اضيف في 23 اكتوبر, 2007 12:07 م , من قبل abeih
من موريتانيا

مشكور على الموضوع أخ محمد المهدي ....عموما العمل الإسلامي يجب أن يتسم بالنفعية ( فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) الناس هنا على اختلاف عقائدهم ماداموا تحت ظل دولة واحدة ... إنه بذلك يكون تثبيتا للمومن وتأليفا لقلب غيره.
دمت بخير.




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


محمد المهدي  ولد محمد البشير باحث موريتاني  متخصص في الفقه وأصوله، ومهتم بتاريخ الحركات الإسلامية   mohamedelmehdi@maktoob.com