الفكــــــــــــــــــــر البنــــــــــــــــــاء
صفحة تهتم بالقضاياالفكرية والسياسية والاجتماعية

تقرير مؤسسة راند سنة 2007 حول "بناء شبكات إسلامية معتدلة".

ترجمة - مروى صبري
 
خلال السنوات الأخيرة اكتسبت التفسيرات الراديكالية للإسلام مكانة بارزة داخل الكثير من المجتمعات المسلمة. ويبدو واضحًا اضطلاع عناصر هيكلية بدور كبير في هذا الأمر. ذلك أنه كان من شأن انتشار الأنظمة السياسية الاستبدادية وضمور مؤسسات المجتمع المدني بمختلف أنحاء الجزء الأكبر من العالم المسلم أن بات المسجد واحدًا من القنوات المعدودة للتعبير عن السخط الشعبي إزاء الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية السائدة. وداخل بعض الدول الاستبدادية، تصور العناصر المسلمة الراديكالية نفسها باعتبارها البديل الممكن الوحيد للوضع القائم. وتشن هذه العناصر معاركها عبر وسائل الإعلام العامة وعلى الأصعدة السياسية ببلدانها، إما بشكل صريح أو خفي بناءً على درجة القمع السياسي.

وبصورة عامة، نجح الراديكاليون (وكذلك الحكومات الاستبدادية) في تخويف أو تهميش أو إسكات المسلمين المعتدلين بدرجات متباينة. وحتى داخل إندونيسيا الليبرالية نسبيًّا لجأ الراديكاليون إلى العنف والتهديد به لتخويف خصومهم. ويجري استخدام هذه التكتيكات بصورة متنامية داخل أوساط الشتات المسلم بالغرب.

فبجانب استعدادهم للجوء إلى العنف لإجبار المسلمين الآخرين على اتباع وجهات نظرهم الدينية والسياسية، يتمتع الراديكاليون بميزتين جوهريتين عن المسلمين المعتدلين والليبراليين: أولاً: المال، فالتمويلات السعودية لتصدير المذهب الوهابي من الإسلام على امتداد العقود الثلاثة الماضية أدت -عن عمد أو غير عمد- إلى تنامي التطرف الديني بمختلف أنحاء العالم المسلم. ثانيًا: التنظيم، حيث تمكنت الجماعات الراديكالية من تطوير شبكات واسعة بمرور السنوات والتي بدورها تتسم بترسخ جذورها في شبكة كثيفة من العلاقات الدولية.

ويأتي هذا التباين في الموارد والتنظيم ليفسر النفوذ الكبير الذي يتمتع به الراديكاليون -والذين يشكلون أقلية صغيرة بجميع الدول المسلمة تقريبًا- غير المتناسب مع حجمهم الفعلي. على الجانب الآخر، لا يتمتع المسلمون المعتدلون والليبراليون بالأدوات التنظيمية التي تمكنهم من التصدي بفاعلية للراديكاليين وخلق شبكات مسلمة معتدلة بإمكانها إمداد العناصر المعتدلة بقناة للتعبير عن رسالتهم، إلى جانب بعض الحماية من المتطرفين. كما أن مثل هذه الشبكات بمقدورها توفير بعض الحماية من حكومات الدول التي توجد بها العناصر المعتدلة التي تقمعهم في بعض الأحيان ؛لتقديمهم بديلا للحكم الاستبدادي يحظى بقبول أكبر عن المتطرفين.

ونظرًا لافتقار المعتدلين للموارد اللازمة لبناء هذه الشبكات بأنفسهم، ربما يستلزم بناؤها عاملا خارجيا حفازا. ويرى البعض أن الولايات المتحدة باعتبارها دولة ينتمي غالبية شعبها لغير المسلمين، لا يمكنها الاضطلاع بهذا الدور. بيد أنه بالنظر إلى الخبرة الكبيرة التي تتمتع بها في مجال تعزيز الشبكات المؤلفة من الأفراد الملتزمين بالأفكار الحرة والديمقراطية وتعود إلى حقبة الحرب الباردة، فإن أمام واشنطن دورا جوهريا لتقوم به لتمهيد الطريق أمام المعتدلين.

الدروس المستفادة من الحرب الباردة

تحمل الجهود التي بذلتها واشنطن وحلفاؤها خلال السنوات الأولى من الحرب الباردة للمساعدة في بناء مؤسسات ومنظمات حرة وديمقراطية، في طياتها دروسًا مفيدة للحرب العالمية الجارية ضد الإرهاب. فعند بداية الحرب الباردة، كان بإمكان الاتحاد السوفيتي الاعتماد ليس فقط على ولاء أحزاب شيوعية قوية بغرب أوروبا، وإنما أيضًا على مجموعة من المنظمات، مثل النقابات العمالية والمنظمات الشبابية والطلابية، التي منحت العناصر المؤيدة للاتحاد السوفيتي سيطرة فاعلة على قطاعات مهمة في المجتمع. أما خارج أوروبا الغربية، كان من بين حلفاء الاتحاد السوفيتي عدد من "حركات التحرر" التي كانت تناضل للتخلص من الحكم الاستعماري. وعليه تطلب نجاح سياسة الاحتواء الأمريكية (إلى جانب الدرع العسكري الذي وفرته القوة الأمريكية النووية والتقليدية) بناء مؤسسات ديمقراطية مناظرة لتحدي الهيمنة الشيوعية على المجتمع المدني. وشكلت الصلة الوثيقة بين الإستراتيجية الأمريكية الكبرى وجهود واشنطن لبناء شبكات ديمقراطية عنصرًا حيويًّا في النجاح العالمي الذي أحرزته سياسة الاحتواء الأمريكية. وبذلك فإنها تمثل نموذجًا لصانعي السياسات في الوقت الراهن.

وتمثلت إحدى السمات المهمة لمبادرات واشنطن وحلفائها في أثناء الحرب الباردة لبناء مثل تلك الشبكات في الروابط القائمة بين القطاعين العام والخاص. فخلال تلك الفترة شهدت الولايات المتحدة وأوروبا بالفعل ظهور حركة فكرية مناهضة للشيوعية، خاصة بالأوساط اليسارية غير الشيوعية. وكان المطلوب توفير المال والتنظيم اللازمين لتحويل الجهود الفردية إلى حملة متناغمة. وبالتالي يتضح أن واشنطن لم تخلق هذه الشبكات من العدم، وإنما جاءت الشبكات وليدة حركات ثقافية وسياسية دعمتها واشنطن والحكومات الأخرى الموالية لها بهدوء.

وفي إطار جميع هذه المحاولات تقريبًا عملت واشنطن كمؤسسة، حيث عمدت إلى تقييم المشروعات لتحديد ما إذا كانت تخدم الأهداف الأمريكية وقامت بتمويلها، ثم اتبعت توجهًا يقوم على عدم التدخل، حيث سمحت للمنظمات التي تدعمها بتحقيق أهدافها دونما تدخل منها.

ومثلما الحال مع أي مؤسسة، وضعت الحكومة الأمريكية خطوطًا إرشادية بشأن كيفية إنفاق الأموال. إلا أنه بصورة عامة، أدرك المسئولون الأمريكيون أنه كلما ازدادت المسافة بين حكومتهم والمنظمة التي تراها كلما تنامت احتمالات نجاح أنشطة هذه المنظمة.

واليوم تواجه واشنطن عددًا من التحديات في سعيها لبناء شبكات ديمقراطية بالعالم المسلم تشبه تلك التي واجهها صانعو السياسات عند بداية الحرب الباردة، على رأسها ثلاثة:

أولها: أنه في أواخر الأربعينيات ومطلع الخمسينيات ثار جدال بين واضعي السياسات الأمريكية حول ما إذا كانت جهودهم لبناء الشبكات ينبغي أن تحمل طابعًا هجوميًا أم دفاعيًا. ذلك أن البعض اعتقد بضرورة أن تنتهج واشنطن إستراتيجية هجومية ترمي لتدمير الحكم الشيوعي بشرق أوروبا والاتحاد السوفيتي، وذلك عبر مساعدة -سرًّا أوعلنًا- الجماعات القائمة داخل هذه الدول والساعية بنشاط نحو الإطاحة بالحكومات الشيوعية. بينما آمن البعض الآخر أنه من الضروري اتباع إستراتيجية ذات طابع دفاعي أكبر تركز على احتواء التهديد السوفيتي عبر تعزيز القوى الديمقراطية بكل من غرب أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وكانت اليد العليا في الجزء الأكبر للإستراتيجية الدفاعية. وسعت واشنطن أيضًا لتحويل مسار تدفق الأفكار إلى الطريق المعاكس، فبدلا من تدفق الأفكار الشيوعية على الغرب عبر الاتحاد السوفيتي ومنظماته، تمكنت الأفكار الديمقراطية من اختراق الستار الحديدي من خلال المنشآت الإعلامية المنشأة حديثًا.

أما التحدي الثاني: فتمثل في كيفية الحفاظ على مصداقية الجماعات التي تدعمها واشنطن، حيث حاول منظمو الجهود الأمريكية لبناء الشبكات الحد بأقصى درجة ممكنة من المخاطر التي تواجهها تلك الجماعات من خلال الإبقاء على مسافة بينها وبين الحكومة الأمريكية وانتقاء أفراد بارزين يتمتعون بقدر كبير من المصداقية كي يتولوا مناصب قيادية بهذه الشبكات. كما أيدت الحكومة الأمريكية أنشطة بناء الشبكات التي قامت بها منظمات مستقلة، مثل الاتحاد الأمريكي للعمال.

وأخيرًا، ارتبط التحدي الثالث بتحديد مدى اتساع التحالف المناهض للشيوعية، بمعنى هل ينبغي أن يضم الاشتراكيين الذين انقلبوا ضد الشيوعية ولكن ما زالوا ينتقدون بعض جوانب السياسة الأمريكية؟ في نهاية الأمر قررت واشنطن أن التحالف من الممكن أن يضم أي شخص طالما أنه ملتزم بمبادئ محددة أساسية.

أوجه الشبه والاختلاف بين بيئة الحرب الباردة
والعالم المسلم اليوم

بصورة عامة، هناك ثلاثة جوانب واسعة للمقارنة بين بيئة الحرب الباردة والبيئة الراهنة.

أولا: واجهت واشنطن في أواخر الأربعينيات كما تواجه اليوم بيئة جيو/سياسية جديدة ومحيرة تنطوي على تهديدات أمنية جديدة.

في بداية الحرب الباردة، تمثل التهديد في الحركة الشيوعية العالمية التي قادها الاتحاد السوفيتي المسلح نوويًّا. أما اليوم فيتركز هذا التهديد في حركة جهادية عالمية تشن هجمات إرهابية ضد الغرب تسقط أعدادا ضخمة من الضحايا.

ثانيًا: مثلما الحال في الأربعينيات شهدنا إنشاء كيانات بيروقراطية كبيرة وجديدة تابعة للحكومة الأمريكية بهدف التصدي لهذه التهديدات.

ثالثًا: والأهم أنه خلال مطلع الحرب الباردة ساد الإدراك بأن واشنطن وحلفاءها يخوضون صراعًا أيديولوجيًّا. من جانبهم أدرك صانعو السياسات جيدًا أن هذا الصراع سيجري خوضه على مستويات دبلوماسية واقتصادية وعسكرية ونفسية. بينما اليوم تؤكد وزارة الدفاع أن الولايات المتحدة تخوض حربًا بالأسلحة وحرب أفكار في الوقت ذاته يمكن إحراز النصر فيها فقط عندما تفقد الأيديولوجيات المتطرفة تأييد الشعوب المستضيفة لها.

ورغم هذه التشابهات توجد أيضًا اختلافات، فنظرًا لكونها دولة قومية، كان للاتحاد السوفيتي مصالحه التي يسعى لحمايتها وحدوده الجغرافية الواضحة والهيكل الحكومي الواضح. على النقيض تقف واشنطن الآن في مواجهة عناصر غامضة لا تتبع دولا بعينها ولا تسيطر على مناطق محددة وترفض الأعراف التي يقوم عليها النظام الدولي ولا تخضع للسبل التقليدية للردع.

جدول يوضح التحديات أمام بناء الشبكات: الحرب الباردة والشرق الأوسط اليوم

الشرق الأوسط

الحرب الباردة

 

تاريخيًا غير قوي، لكنه آخذ في التطور

تاريخيًا قوي

دور المجتمع المدني

 

يجري النظر إلى الجهود الأمريكية لتعزيز الديمقراطية وبناء الشبكات المعتدلة من قبل شركائها الأمنيين الاستبداديين بمنطقة الشرق الأوسط باعتبارها مثيرة للقلاقل. ولا يجري النظر إلى واشنطن على أنها قوة تحرير.

عداء معلن بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة.

يجري النظر إلى واشنطن داخل أوروبا الغربية باعتبارها قوة تحرير

العداء بين واشنطن والمجتمع أو الحكومة المستهدفة

ضعيفة

قوية

الروابط الفكرية والتاريخية

دينية

علمانية

أيديولوجية الخصم

مهلهلة أو لا تخضع لسيطرة مركزية

تخضع لسيطرة مركزية

طبيعة الشبكات المناوئة

أكثر تعقيدًا

أقل تعقيدًا

التحديات المرتبطة بالسياسة


البرامج الأمريكية للتعاون مع العالم المسلم

في أعقاب هجمات 11 سبتمبر عام 2001 الإرهابية تم توجيه قدر كبير من الموارد والاهتمام؛ لحماية الأمن المادي للمواطنين الأمريكيين والأراضي الأمريكية. في الوقت ذاته وبناءً على إدراك أن مكافحة الإرهاب لا تعني تقديم الإرهابيين للعدالة وتقليص قدرتهم على تنفيذ العمليات فحسب، وإنما جرى أيضًا بذل جهود لتناول "الأسباب الجذرية" للإرهاب.

وجاءت وثيقة إستراتيجية الأمن القومي في سبتمبر عام 2002 لتضع تصورًا للأمن يشدد على تداعيات الأوضاع الداخلية بالدول الأخرى، خاصة عدم توافر الديمقراطية، وهي الفكرة التي تم التأكيد عليها باستمرار على امتداد السنوات التالية.

ويمكن النظر إلى "أجندة الحرية" التي أعلنها الرئيس الأمريكي "جورج بوش" باعتبارها الإستراتيجية الأمريكية الكبرى في إطار الحرب العالمية ضد الإرهاب. بيد أنه حتى الآن لم يتحقق إجماع بشأن كيفية تحديد ودعم الشركاء في "حرب الأفكار". ولا تتوافر سياسة أمريكية محددة تجاه كيفية بناء شبكات مسلمة معتدلة. أما التوجه الذي نقترحه في هذا الشأن فيقوم على جعل مسألة بناء شبكات مسلمة معتدلة هدفًا معلنًا لبرامج الحكومة الأمريكية.

ويمكن أن تمضي عملية بناء الشبكات المعتدلة على مستويات ثلاثة: 1-تعزيز الشبكات القائمة، 2-تحديد الشبكات المحتملة وتعزيز نموها، 3-الإسهام في تنامي الظروف المواتية للتعددية والتسامح، بما يخدم نمو الشبكات.

وبرغم توافر عدد من برامج الحكومة الأمريكية التي تخلف تأثيرات على المستويين الأولين، تنتمي غالبية الجهود الأمريكية حتى اليوم إلى المستوى الثالث. ويعود جزء من السبب وراء ذلك إلى عدم توفر سوى عدد ضئيل من الشبكات المعتدلة القائمة بالفعل داخل أجزاء كثيرة من العالم المسلم التي يمكن لواشنطن المشاركة معها. علاوة على ذلك فإنه في إطار سعيها لبناء شبكات معتدلة، يتعين على الولايات المتحدة التعامل مع بيئات اجتماعية وسياسية قمعية ومشاعر عداء قوية إزاءها بمعظم أنحاء العالم المسلم. وتنتمي غالبية الجهود الأمريكية بشكل عام إلى مجالات تعزيز الديمقراطية وتنمية المجتمع المدني والدبلوماسية العامة.

تعزيز الديمقراطية

تشارك واشنطن عبر الجهود الدبلوماسية التقليدية في حوار على مستوى الدول وصاغت حوافز مثل "حساب تحدي الألفية"، بهدف تشجيع الدول على الانضمام إلى "مجتمع الديمقراطيات".

وتشدد الولايات المتحدة على الصعيدين العام والخاص على منافع اتباع القيم الديمقراطية الليبرالية، مثل المساواة والتسامح والتعددية وحكم القانون واحترام الحقوق المدنية وحقوق الإنسان، بما يسهم في تنمية بيئة سياسية واجتماعية تيسر بناء شبكات معتدلة.

إلى جانب ذلك، تتحمل وزارة الخارجية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية مسئوليات محددة فيما يخص تعزيز الديمقراطية. ومن أجل الاضطلاع بهذه الواجبات، تتعاقد كل من الوزارة والوكالة مع منظمات غير حكومية، على رأسها "المعهد القومي للديمقراطية والمعهد الجمهوري الدولي والمعهد الديمقراطي الوطني ومؤسسة آسيا ومركز دراسة الإسلام والديمقراطية"، وجميعها منظمات غير هادفة للربح تتلقى تمويلا من الحكومة الأمريكية.

وتمثل مبادرة الشراكة مع الشرق الأوسط محاولة بارزة للتخلص من التوجهات التقليدية التي ظهرت في أعقاب هجمات 11 سبتمبر، برغم أنها لا تعد بأي حال من الأحوال أكبر برنامج أمريكي للتعاون مع العالم المسلم.

وتصيغ المبادرة برامجها على محاور أربعة: الإصلاح السياسي، الإصلاح الاقتصادي، التعليم وتمكين المرأة. إلى جانب دعمها المباشر للمنظمات غير الحكومية المحلية بصور أكثر إبداعًا ومرونة. وقد تم افتتاح المبادرة كمكتب جديد يتبع مكتب شئون الشرق الأوسط بوزارة الخارجية كمحاولة للتخلص من التوجه التقليدي القائم على الاتصالات بين الحكومية عبر الاعتماد على المنظمات غير الحكومية الأمريكية في توزيع منح صغيرة بصورة مباشرة على المنظمات غير الحكومية المحلية داخل إطار المحاور الأربعة.

وفي عام 2004، سعت واشنطن بالتعاون مع شركائها بمجموعة الدول الثماني العظمى نحو صياغة توجه دولي في هذا الصدد من خلال إعلان مبادرة الشرق الأوسط الكبير وشمال إفريقيا. وفي صيف عام 2006، بذل القائمون على المبادرة مساعيهم لإعادة تطبيق نموذج منظمة آسيا، أكثر المنظمات غير الحكومية نجاحًا في جهود تنمية مؤسسات المجتمع المدني، داخل منطقة الشرق الأوسط.

تنمية المجتمع المدني

تسير جهود تعزيز الديمقراطية جنبًا إلى جنب مع تنمية المجتمع المدني، بل ويعتقد الكثير من المتخصصين أن تنمية المجتمع المدني تمثل خطوة مسبقة ضرورية لإحلال الديمقراطية.

ويشير مصطلح المجتمع المدني إلى مجموعة من المؤسسات والقيم التي تعمل كحائط عازل وفي الوقت ذاته حلقة وصل جوهرية بين الدولة والأفراد والأسر والعشائر، ويتضح عندما تتمكن المنظمات الاجتماعية والمدنية (مثل المنظمات غير الحكومية) من الوقوف في وجه قوى الدولة.

وترتبط عملية تنمية المجتمع المدني وبناء الشبكات بشكل وثيق، حيث يعزز كل منهما الآخر ويعتمد كل منهما على الآخر. من الناحية النظرية، يؤدي ظهور المجتمع المدني إلى ظهور الشبكات المعتدلة، والعكس صحيح. أما على الصعيد العملي تأتي الجهود الأمريكية لتنمية المجتمع المدني على نطاق أوسع من جهود تعزيز الديمقراطية، وتتضمن جهودا لتدعيم الفرص الاقتصادية ووسائل الإعلام المستقلة والمتميزة بالشعور بالمسئولية وحماية حقوق الأقليات وتوفير الرعاية الصحية والتعليم.

وتواجه جهود تعزيز الديمقراطية وبناء المجتمع المدني عقبتين رئيسيتين: المقاومة النشطة من جانب الأنظمة الاستبدادية وعدم توافر معايير واضحة لتقييم الأداء. وتتضح المقاومة الحكومية في القوانين التي تحظر تشكيل منظمات غير حكومية أو تلقي دعم خارجي، وفرض رقابة شديدة على أنشطة المنظمات غير الحكومية وطرد بعض المسئولين (مثلما حدث مؤخرًا بالبحرين) وتجميد الأنشطة (مثلما حدث بمصر).

على صعيد الدبلوماسية العامة، بذلت وزيرة الخارجية الأمريكية "كونداليزا رايس" جهودا لدفع وزارة الخارجية والحكومة الأمريكية بصورة أوسع نحو اتباع توجهات دبلوماسية رامية لإحداث تحول من خلال دمج الدبلوماسية العامة في صياغة وتنفيذ السياسات. ولكن داخل الحكومة ما تزال أهداف الدبلوماسية العامة متنوعة.

أما أكثر الآليات التي جرت الاستعانة بها في نقل جهود الدبلوماسية العامة إلى داخل العالم المسلم فتمثلت في محطات الإذاعة والأخرى المرتبطة بالأقمار الصناعية، خاصة راديو "سوا" وقناة "الحرة". وبينما تعرضت قناة "الحرة" لانتقادات لاذعة لإخفاقها في بناء قاعدة جماهيرية لها، حقق راديو "سوا" نجاحًا في هذا الشأن. بيد أن النجاح في بناء جمهور لا يترجم بوضوح إلى مكاسب ملموسة على صعيد تعزيز الاعتدال داخل المجتمعات المستهدفة أو بناء مؤسسات معتدلة. ذلك أنه برغم كلفتهما المرتفعة والبالغة 700 مليون دولار سنويًّا، لا يبدو واضحًا حتى الآن تمكن أي من راديو "سوا" أو قناة "الحرة" من صياغة توجهات إيجابية داخل العالم المسلم إزاء السياسات الأمريكية.

خارطة طريق نحو بناء شبكات معتدلة

تتمثل الخطوة الأولى نحو بناء شبكات معتدلة بالعالم المسلم في اتخاذ الحكومة الأمريكية وحلفائها قرارا واضحا ببناء شبكات معتدلة والربط صراحة بين هذا الهدف ومجمل الإستراتيجية والبرامج الأمريكية.

ويستلزم التنفيذ الفعال لهذه الإستراتيجية بناء هيكل مؤسساتي داخل الحكومة الأمريكية يعنى بالتوجيه والدعم والإشراف والمراقبة لهذه الجهود باستمرار. داخل هذا الإطار يجب على الولايات المتحدة حشد الخبرات والقدرات الضرورية لتنفيذ الإستراتيجية، ومن بين ذلك:

1- وضع مجموعة من المعايير لتحديد المعتدلين الحقيقيين وتمييزهم عن الانتهازيين والمتطرفين الساعين لتصوير أنفسهم كمعتدلين، إلى جانب تمييز العلمانيين الليبراليين عن العلمانيين السلطويين.

2- وضع قاعدة بيانات دولية للشركاء.

3- تحديد آليات لبرامج ومشروعات وقرارات المراقبة والإشراف.

بصورة عامة ندعو إلى اتباع واشنطن لسياسة جديدة انتقائية. فمثلما كان الحال في أثناء الحرب الباردة، ينبغي أن تتجنب الجهود الأمريكية مركز جاذبية الخصم، وتركز بدلا من ذلك على الشركاء والبرامج والمناطق التي تتميز خلالها الجهود الأمريكية بالاحتمال الأكبر لأن تؤثر على "حرب الأفكار".

فيما يخص الشركاء، سيكون من المهم تحديد القطاعات الاجتماعية التي ستشكل حجر الأساس للشبكات المقترحة. وينبغي منح الأولوية لما يلي:
1- الأكاديميين والمثقفين المسلمين الليبراليين والعلمانيين.

2- علماء الدين من الشباب المعتدل.

3- النشطاء الاجتماعيين.

4- الجماعات المعنية بالمرأة المشاركة في حملات تطالب بالمساواة بين النوعين.

5- الصحفيين والكتاب المعتدلين.

وينبغي أن تعمل واشنطن على ضمان التواجد الواسع لهؤلاء الأفراد، من خلال -على سبيل المثال- السماح لهم بإجراء زيارات للكونجرس وتعريف واضعي السياسات بهم بشكل أفضل.

وينبغي تنظيم برامج المساعدة حول القطاعات سالفة الذكر بحيث تتضمن:

1- التعليم الديمقراطي، خاصة البرامج المعتمدة على نصوص وتقاليد إسلامية تدعم قيم الديمقراطية والتعددية.

2- وسائل الإعلام، حيث يمثل دعم وسائل الإعلام المعتدلة عاملا جوهريًا في التصدي لهيمنة العناصر المسلمة المحافظة والمناهضة للديمقراطية على الساحة الإعلامية.

3- المساواة بين النوعين، ذلك أن قضية حقوق المرأة تعد أحد الميادين الكبرى في إطار "حرب الأفكار" داخل الإسلام. ويشكل تعزيز المساواة بين النوعين عنصرًا رئيسيًّا في أي مشروع يرمي لتمكين المسلمين المعتدلين.
4- الدعاية السياسية. يتبع الإسلاميون أجندات سياسية، ويتعين على المعتدلين بذل جهود بمجال الدعاية السياسية أيضًا، الأمر الذي يحمل قدرا كبيرا من الأهمية لصياغة البيئة السياسية والقانونية في العالم المسلم.

وفيما يخص نقاط التركيز الجغرافي، نقترح إحداث تحول في الأولويات من منطقة الشرق الأوسط إلى أجزاء العالم المسلم التي تتوافر بها إمكانية أكبر على العمل بحرية وتتميز البيئة بانفتاح أكبر.

وفي الوقت الراهن، يتعين على جهود الدبلوماسية العامة توجيه اهتمام أكبر بالظروف المعاصرة. فاليوم يواجه مواطنو العالم المسلم طوفانا من المعلومات غير الدقيقة والمنحازة.

وبصورة عامة يجري النظر داخل العالم المسلم إلى كل من راديو "سوا" وقناة "الحرة" باعتبارهما عميلين للحكومة الأمريكية. وبرغم تكلفتهما الضخمة، لم يتمكنا حتى الآن من صياغة توجهات إيجابية إزاء الولايات المتحدة. من جانبنا، نرى أن الأموال الجاري إنفاقها على راديو "سوا" وقناة "الحرة" من الأفضل توجيههما لدعم وسائل الإعلام المحلية والصحفيين ممن يلتزمون بأجندة ديمقراطية وتعددية.


دراسة صادرة عن المؤسسة شارك في إعدادها الباحثون: أنجيل راباسا ـ تشيرل بنارد ـ لويل تشارتز ـ بيتر سيكل.

* ترجمة للملخص التنفيذي للتقرير الذي أصدره مركز الشرق الأوسط للسياسة العامة بمؤسسة راند الأمريكية، ونشر يوم 26 مارس 2007 تحت عنوان "بناء شبكات إسلامية معتدلة".
 
منقول من إسلام أونلاين

(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 24 اكتوبر, 2007 05:49 م , من قبل kamalahmed86
من مصر

الاخ العزيز والصديق الغالى شكرا لمرورك بمدونتى واشكرك على موضوعاتك الجادة والمهمة واسال اللة لك التوفيق دائما ايها الاخ العزيز وفى انتظار المزيد من الموضوعات الجادة والمهمة ......... الاستاذكمال


اضيف في 09 نوفمبر, 2007 04:37 ص , من قبل hassanyahya

اخي العزيز
شكرا لطرحك الجميل للموضوعات
ونقلك الصادق لما تبثه الهيئات
عن الدين ومؤسساته
واعتداله واعوجاجه
باتوا يصنفوننا كما يشتهون
ونحن الملومون
فنحن من طعنا الرسول بظهره
وكنا اشد عليه ما اشد عات في زمنه
حرفنا دينه كفرنا امته
قتلنا اتباع ومن شهد شهادته
دعهم يقولون ويفعلون
ونحن الملومون

اخوك
حسن يحيى العذاري




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


محمد المهدي  ولد محمد البشير باحث موريتاني  متخصص في الفقه وأصوله، ومهتم بتاريخ الحركات الإسلامية   mohamedelmehdi@maktoob.com