الفكــــــــــــــــــــر البنــــــــــــــــــاء
صفحة تهتم بالقضاياالفكرية والسياسية والاجتماعية

زواج السر في المجتمع الموريتاني

لقد طلبت رأيي في موضوع زواج السر  الذي انتشر في موريتانيا حتى صار ظاهرة اجتماعية مجسدا مظهرا من مظاهر التخلف  يجسد فكرة ميتة نبتت  في هذه الأرض القاحلة و لم تأت إلينا من الغرب الذي نعلق عليه كل مآسينا، والأغرب من ذلك أن تحدثني بأن بعض الأئمة يسعون  إلى تشجيع هذه الظاهرة السيئة، ظنا منهم  أنهم يحسنون صنعا، والحقيقة أن هذا الزواج مشكلة يستوجب حلها تضافر  كثير من الجهود، وليس حلا لمشكلة، إنه نتيجة حتمية لانتشار الطلاق في هذه البلاد ولإضاعة الآباء لأبنائهم حيث تجد أمهم المسكينة نفسها مرغمة على إتباع كل السبل لتوفير أسباب الحياة لهم.

         

إنني لا أحمل الأئمة المسؤولية إلا أنني أدرك أن كثيرا من الأئمة مقصرين في أداء رسالتهم الحضارية فمع أن الإمام الواحد يلقي خلال كل سنة 52 خطبة جمعة، إلا أن أكثرهم يسيرون على غير هدى فيستنسخ النشرات الإخبارية ويغرقون المصلين في الحديث عن مشاكل لا صلة لها بواقعهم الحقيقي، وما ذلك إلا لأن التخلف ليس نمطا في العيش أو أسلوبا في الحياة فحسب بل هو منظومة من التفكير  والقيم فقدت فاعليتها الحضارية، و صارت جثثا ميتة يجب أن توارى الثرى بدل أن تعرض على الناس، فالمتخلف من الأخسرين أعمالا  يستغرق الأوقات ويهدر الطاقات في إنتاج التخلف، وهو يحسب أنه يحسن صنعا ولن يتأتى لهذه الأمة الشهود الحضاري الذي يمكنها من الإسهام في  مسار البشرية ما لم تشف من هذه الأمراض القاتلة

زواج السر

بالنسبة إلى ظاهرة زواج السر فإنني أرى أنها من الظواهر التي يجب أن يتكفل بعلاجها الباحثون الاجتماعيون والأخصائيون النفسانيون ورجال القضاء والأمن والاقتصاد لأنها لم تأت اعتباطا وإنما نتيجة أسباب يضيق المجال عن بسطها،  بدل ترك المجال للفقهاء

الذين لا يزال بعضهم  في بلدنا يغطون  في سباتهم متقوقعين على فقه العصر الزراعي يتحدثون عن بيع " الزبل" وما شاكله، ولما يدخلوا هذا العصر ومنطقه ومشاكله فأنى لنائم أن يوقظ أمة ؟.

وإذا كان لا بد من سرد مذاهب الأئمة في زواج السر ، فأقول بأنهم اتفقوا على حرمة زواج السر - وإن اختلفوا في تحديد ماهيته - تبعا لاختلافهم في اشتراط إعلان الزواج إعلانا عاما  أو الاكتفاء بمجرد الإشهاد ، وقد اشترط المالكية الإعلان العام وأفتوا بأن كل زواج يوصي فيه الزوج الشهود بكتمانه ولو عن زوجته يعد من زواج السر الذي لا يجوز فكانوا بذلك أقرب إلى تجسيد مقاصد الشرع والنظر إلى مآلات الأفعال ، بينما اكتفى الجمهور بالحد الأدنى: الإشهاد دون النظر إلى مقاصد الشارع.

 

إنه من الخطر البين أن ينظر الفقيه إلى نازلة معينة دون أن يربطها بظرفها الاجتماعي وسياقها العام وما قد يترتب عليها من مفاسد وأضرار على الفرد و المجتمع، وما تستتبعه من ظواهر أخرى وتحدثه من آثار  اجتماعية ونفسية، وهو ما يسميه العلماء بفقه المقاصد واعتبار المآل في الأحكام الشرعية، والناظر إلى زواج السر في بلدنا يجد أنه تحول إلى ظاهرة اجتماعية ولم يعد استثناء من الأصل العام -إعلان الزواج –يلجأ إليه بعض الأفراد عند الضرورة .

وهو زواج قريب من الصوري يلبي بعض مقاصد الزواج الشرعي إلا أنه لا يلبي أكبر هذه المقاصد وأعظمها وهو بناء الأسر المسلمة، ولا تحصل به أغراض الزواج الشرعي وما يترتب عليه من أواصر المودة والرحمة التي توفر الكنف الآمن الذي تتربى فيه الناشئة تربية تجعلها منتمية بالفعل إلى  " خير أمة أخرجت للناس" و "الأمة الشاهدة على الناس" في الواقع العملي وليس في أخيلة الحالمين.

 فأي زوجة هذه المسكينة التي لو رآها زوجها تسحل في الشوارع لما استطاع أن يهب لنجدتها خشية من انكشاف أمرها، ولو حاول غريب أن يتحرش بها جنسيا لما كان بمقدور زوجها أن يغار علها، إلا إن كان ذلك من باب الغيرة على عشيقته.

إن هذا الزواج في الأعم الأغلب لا يعدو كونه تلبية لإلحاح الغريزة الجنسية وليس استجابة لأوامر الله، ولا يمكن أن يفصل اجتماعيا عن ظاهرة اتخاذ النساء المتزوجات لأخدان، وإن امتاز زواج السر بأنه شبهة، واتخاذ الأخدان زنا لا غبار عليه، وفيه من المحاذير الشرعية

 

* إضاعة النسل الذي يعد الحفاظ عليه من مقاصد الشرع الخمسة، فقد ينكر الرجل أبناءه من الزواج السري، وقد تتزوج المرأة زوجا جديدا وهي في عدتها من زوجها السري ، وقد تكون ما تزال في عصمته لأنها لم تطلق طلاقا شرعيا، تنقطع به العصمة وغير ذلك من المحاذير الكثيرة

 

 

 *  استغلال حاجة المرأة المادية في الأعم الأغلب حتى ترضى بهذا الزواج مقابل ما تحصل عليه من متعة أو مال.

*  أن الزوجة الثانية ليست زوجة كاملة بل هي شبه زوجة؛ فهي لا تعامل بالعدل الواجب شرعا بين الضرات، ولا مجال للاستشهاد هنا بقصة سودة رضي الله عنها

 

 * - الغدر والخيانة لتعهد الزوج عند العقد على الزوجة الأولى ألا يتزوج عليها فإن فعل شيئا من ذلك فأمرها بيدها 

* - تمسك الزوج بعصمة مشكوك فيها لأن الزوجة الأولى تملك الطلاق معلقا على حصول زواجه عليها، وقد حصل دون علمها  وهو  لا يدري أترضى بالبقاء معه وهو النادر أو تختار الطلاق وهو الأكثر.

 * - تقطيع الأرحام إن كان زواج السر  بدون علم والد المرأة أو ابنها.

* - رفع معدل الطلاق وما يستتبعه من المشاكل النفسية والاجتماعية والاقتصادية والخلقية في موريتانيا.

 

أما كون بعض النساء المطلقات من أغنياء يلجأن إلى هذا الأسلوب من الزواج خشية من أن  يقطع مطلقها النفقة عنها، فإن كانت هذه المرأة ليست في عدة هذا الرجل وليس لها منه أبناء صغار فلا  تجب عليه ننفقتها أصلا، ولا معنى أن يحرص على بقائها دون زواج إلا إذا كان يريد أن يحولها من زوجة إلى عشيقة "محظية" له.

إن مكانة الأسرة في الإسلام أعظم وهدفها أسمى من أن تكون ألعوبة كالبيت الذي لا سقف له ولا جدران ولا يكن أهله من حر ولا برد.

 

ولا يمكن أن ننكر أن للضرورة أحكامها إلا أن الضرورة يجب أن تبقى رخصة تمثل استثناء من القاعة وأن تقدر بقدرها، ولا يمكن أن يصبح الاستثناء قاعدة أحرى أن يصير ظاهرة إلا إذا كان من باب انتشار التيمم في بلادنا حتى صار هو الأصل

 

 

جواب على سؤال لكدير صحيفة الحرية السيد نعمة عمر
وقد نشر هذا الحواب في عدد الصخيفة الصادر أمس  

 

(4) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 19 نوفمبر, 2007 11:59 م , من قبل naditta
من المغرب

صديقي العزيز
لقد أصبحت هذه الظاهرة منتشرة جدا في دول العربية مما سبب عزوف الشباب عن الزواج الشرعي لخوفهم من المسؤولية
شئ الذي يحيرني كيف لبنات أن تقبل بزواج مصيره الفشل
الله ينور لينا طريقنا يارب و لكل بنات المسلمين
دمت متميز
أختك ندى


اضيف في 22 نوفمبر, 2007 11:09 ص , من قبل aminamoulay
من موريتانيا

لقد تطرقت لموضوع مشكل يزداد انتشاره يوما بعد يوم سبب ويسبب الكثير من المتاعب والمشاكل ناهيك عن ماذكرته من . تقطيع الارحام ورفع معدل الطلاق واضاعة النسل . واستغلال حاجة المراه الماديه. واذلا لها ...الخ
ويحتاج هذه الامر الى للمعالجه الجاده والتوعيه الكامله من مخاطر ومخلفات هذا النوع من الزواج والتحذير منه .
دمت بخير اخى الكريم


اضيف في 24 نوفمبر, 2007 03:22 ص , من قبل medelmehdi
من موريتانيا

naditta
أزول فلاك آس آزك إلا إلا
السلام عليكم ورحمة الله
تلك كلمات حفظتها من الأماويغية
زواج السر ليس هو الزواح العرفي الذي ينتشر في البلاد العربية بل إنه ينتشر في موريتانيا فقط


اضيف في 24 نوفمبر, 2007 03:25 ص , من قبل medelmehdi
من موريتانيا

aminamoulay
السلام عليكم
على النساء أن يكتبن عن هذا الزواج ومشاكله فهن أدرى به من حيث دوافعه
والمشاكل التي يسببها لهن




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


محمد المهدي  ولد محمد البشير باحث موريتاني  متخصص في الفقه وأصوله، ومهتم بتاريخ الحركات الإسلامية   mohamedelmehdi@maktoob.com