كانت عقارب الساعة تزحف متثاقلة في صبيحة 28 نوفمبر 1984 والشمس ترسل أشعتها وانية تداعب رؤوس النخيل الباسقة وقمم الجبال العالية في جو صحو جميل بينما كانت المدينة تجهد نفسها لتفظ أحشاءها من ساكنيها الدين خرجون عن بكرة أبيهم زرافات ووحدانا الرجال والنساء الشيوخ والأطفال إلى باحة مبنى مقاطعة المدينة احتفاء بالذكرى الرابعة والعشرين لعيد الاستقلال الوطني عيد الحرية والانعتاق من نير الاستعمار الفرنسي والتخلص من هواجس الخوف ومخالب القهر والاستعباد اليوم المشهود الذي ولدت فيها موريتانيا من رحم المجهول ورفرف علمها خفاقا واستنشق أبناؤها عبير الحرية ..وما إن اقتربت الساعة التاسعة والنصف من تمامها حتى امتلأ ت الساحة بجموع المحتفلين ثم تقدم ضابط كان يقف مباشرة تحت إشارة الصليب التي ما تزال البناية تحملها من عهد الاستعمار الفرنسي باتجاه فرقة قليلة من الجيش الموريتاني كانت تقف على أهبة الاستعداد في مكان قصي من البناية فوقف أمامهم رافعا رأسه ثم صاح بهم صيحة قوية فأمسكوا بمدافعهم بأيديهم اليمنى ورفعوها قليلا ثم تقدموا خطوة وضربوا الأرض بأرجلهم حتى كادت تميد تحت أقدام المحتفلين ثم رفعوا مدافعهم إلى الأعلى أكثر و انزلوها إلى الأسفل حتى لامست الأرض ثم تقدموا في خط واحد وتقدم الضابط ليرفع العلم الوطني رويدا رويدا لتحتضنه أشعة الشمس وتداعبه نسمات الصباح. وفي الوقت ذاته أطلق أحد الجنود رصاصات في الهواء فأخذ جانب دراعته الأيسر بيمناه ثم سواه على كتفه الأيسر وأخذ طرفها الأيمن بيسراه، فسواه على كتفه الأيمن ثم خسر اللثام عن فمه وتنهد تنهيدة قوية وقال: والآن وقد مر على هذين المشهدين أكثر من عقدين من الزمن هل يصعد ذلك الخطيب هذه المرة البناية التي سجن فيها يوسف أيام المحنة ليقنعها أنه لم يكن سجينا وإنما جاء مع زميليه في رحلة ثقافية وسياحية لإعداد دراسة عن تلك المدينة القديمة عقدان من الزمن تغير فيهما كل شيء وأصبح العزيز المكين لا حول له ولا قوة ، والضعيف السجين رئيسا تغير كل شيء في المدينة والدولة ونظمها السياسية فإننى لم أستطع أن أمحو تلك الصورة من ذاكرتي رغم محاولاتي اليائسة مع أنني كنت ساعتها معجبا بمعاوية ولد الطايع أرى فيه صورة البطل المنقذ، إلا أن تناقض في المشهدين ظل يطاردني كالكابوس الذي؛ لأنني لم أكن ساعتها قد سمعت بكتاب الأمير لميكافلي ولا بالمذهب البراكماتي عند وليام جيمس تماما مثل الخطيب الذي تربى في أحضان حزب الشعب وحفظ الدرس جيدا
التزم الجميع الصمت في لحظة هدوء وانتظام نادرة في مجتمع تعود اللغط والفوضى ثم لمحنا رجلا في الاربعينات من عمره يشق الصفوف مطأطئا رأسه حتى إذا ما أصبح قاب قوسين أو أدنى من سلم البناية التي تختضن الحفل وقف هنيهية ليضم طرف دراعته الأيمن لإلى طرفها الأيسر ويمسكهما بيده اليسرى من الأمام، وتوارى عن أنظارنا داخل السلم الصاعد، ليطل علينا بوجهه البهي يمشي بخطوات وئيدة فوق الطابق الأول من البناية وقد علت محياه ابتسامة عريضة، ثم خطا خطوة أخرى حتى صار بحيث يراه الجميع فاشرأبت إليه الأعناق واتجهت الأنظار وأخد الرحال والنساء يتمتمون " جاء الخير ودهب الشر، والله أل ون"
تحتفل بلادنا هذه السنة بالذكرى الرابعة والعشرين لعيد الاستقلال الوطني وهي تنعم بالرخاء والاستقرار تحت القيادة الرشيدة لفخامة الرئيس المقدم محمد خونة ولد هيد الله رئيس اللجنة العسكرية للخلاص الوطني رئيس الدولة الذي طبق الشريعة الإسلامية السمحة وألغى الرق فانهالت على بلدنا الخيرات وعمت البركات وقطعنت البلاد في عهده الميمون خطوات جبارة على درب التقدم والنماء فضلا عن المنجزات العملاقة والمكتسبات العظيمة و...و...و...و..
وكان يطغط على حرف السين من كلمة الرئيس وحرف الدال من كلمة المقدم وكأنه فنان ماهر يعزف قطعة موسيقية يمثل فيها اسم محمد خون ولد هيد الله نغمة القرار بينما تمثل اللجنة العسكرية للخلاص الوطني جواب النغمة
وكان النساء كلما سمعنا اسم محمد خونا ولد هيد الله يطلقن لحناجرهن العنان لتتعانق الزغاريد بحرارة التصفيق ممزقة السكون المخيم على المدينة مما يزيد الخطيب حماسا والجموع نشوة وفرحا ليندمج الجميع في طبقات ألحان تلك المعزوفة
استمرت الخطيب ساعتين ثم قام شاعر شعبي يترنح كالثمل ليرفع عقيرته " بطلعة قصيدة من الشعر اللهجي" تشيد بالرئيس المقدم محمد خونة ولد هيد الله وانجازاته. ثم نزل الخطيب وانصرف الجميع على موعد اللقاء في ذكرى 10 يوليو 1985 ليعود إلى هدا المكان حتى يبرهنوا على أنهم جنود أوفياء للجنة العسكرية للخلاص الوطني تخت قيادة رئيس الدولة صاحب الفخامة المقدم محمد خونة ولد هيدالة
وبعد مضي عشرين يوما وجدت تلك الجماهير نفسها تعود إلى المكان نفسه ليبدأ لتعيد المشهد من جديد الخطيب يشق الصفوف ويصعد إلى الطابق الأول لتشرئب إليه الأعناق وتتجه الأنظار متلهفة لما سيقوله هذه المرة فقال:
نجتمع اليوم لنعبر عن مساندتنا اللامشروطة ودعمنا اللا محدود وتجندنا المطلق خلف اللجنة العسكرية للإنقاذ الوطني برئاسة السيد العقيد معاوية ولد سيدي أحمد الطايع رئيس اللجنة العسكرية للإنقاذ الوطني رئيس الدولة التي أنقدتنا من حكم المخلوع الذي ملأ السجون بخيرة هدا الشعب وصادر الحريات وعزل موريتانيا عن محيطها الإقليمي والعربي والدولي وأفقدها مصداقيتها لدى الممولين .......فانطلقت الزغاريد من حناجر النساء ممتزجة بالتصفيق الذي كان هده المرة أقوى إيقاعا وتقدم الشاعر الشعبي ذاته ليسمع الحاضرين " طلعة " من مديح اللجنة العسكرية للإنقاذ الوطني ورئيسها السيد معاوية ولد سيدي أحمد الطايع
الاثنين, 26 نوفمبر, 2007
أضف تعليقا
اضيف في 28 نوفمبر, 2007 03:26 م , من قبل ashraf61
من مصر
من مصر

الاخ العزيز كم اسعدني وجودك بمدونتي
واتمني التواصل دائما مدونتك مميزة وجميلة
وبها مواضيع مفيده
وتحياتي لك
اضيف في 02 ديسمبر, 2007 12:23 ص , من قبل medelmehdi
من موريتانيا
من موريتانيا

السيدة نادين
شكرا على المرور ليس الفقر وحده هو المسئول عن هده المواقف المنقلبة بل هناك انعدام الضمير قلة التدين والشعور بالرقابة الإلهية
اضيف في 02 ديسمبر, 2007 12:26 ص , من قبل medelmehdi
من موريتانيا
من موريتانيا

الأخ أشرف
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شكرا على المرور والعبارات الجميلة
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












من ألمانيا
هذه الصورة تتكرر كل يوم ومن قبل الكثيرين الفقر اللعين هو السبب يفقد الانسان معه المبادئ ويتخلى عن الدرب