الفكــــــــــــــــــــر البنــــــــــــــــــاء
صفحة تهتم بالقضاياالفكرية والسياسية والاجتماعية

جـــــــــــــراح المدينـــة

كانت الدموع تتناثر على خديها بغزارة كحبات بلور تبعثرها الرياح في كل الاتجاهات ثم تمسحهما بأصابع يديها المرتجفتين قبل أن تنساب من شفتيها الذابلتين كلمات حائرة تبحث عن معنى لنصوص تائهة في كتاب الصمت الذي تتصاقب أحرفه كحبات جوهر مرصعة على جيد زمن ضائع 
حتى إذا جفت مآقيها ألقت نظرة فاترة من خلف النافذة المطلة على المجهول إلى أفق تبدو عليه تجاعيد كثيرة من رواسب القرون الخالية فلم تر إلا هضابا شامخة وجبالا راسية يلفها ضباب كثيف، وحولها كثبان من الرمال الناعمة تداعبها تيارات هواء هائجة وأسراب من الطيور تحوم حول جذوع نخل خاوية، ورفات مدينة لفظت أنفاسها منذ زمن سحيق، ثم تنظر ذات اليمين بعينيها الحالمتين فيتجلى أمامها فضاء فسيح كلما أمعنت فيه النظر ازداد عظمة واتساعا، وتراءت لها في زاوية من زواياه أشباح مدينة أخرى قد خلت عرصاتها من صخب الأطفال وهجرتها الزهور والعصافير تتشح بالظلام وتلتحف الكآبة، تتهاوى في صمت قاتل تحت معاول العجز والإهمال، لا أحد في هذه القرية المنسية سوى عجوز تلوك بشغف قصص أقوام عمروا هاتين المدينتين ثم استودعوا مآثرهم وأمجادهم التاريخ قبل أن يلفهم الزمن في ردائه ويرحل بهم إلى عالم آخر، وقطة تموء من وخز الجوع وألم الظمأ تتعلق بعينيها الواجفتين بكل شخص يمر من هذا المكان، وشجرة قتاد تقاوم في عناد شديد عواد الزمن وتأبى الانحناء أمام عواصفه رغم تساقط أوراقها وذبول أغصانها، لقد كان الجو ساحرا بعيد غروب شمس ذلك اليوم يغري بمناجاة الطبيعة التي ركنت إلى هدوء مطلق، ويدفع الغريب إلى الإصغاء إلى ترانيم الرياح وهي تعزف بمهارة أنغامها، وتردد تراتيلها على أغصان شجرة القتاد، لولا صوت خافت حزين كان ينبعث من مكان بعيد يمزق السكون ثم يتلاشى في دهاليز الصمت ولا يبقى منه سوى رجع صداه، قرع الصوت أذني محمود الذي كان غارقا في نومه يسبح في أحلامه ويسترجع تفاصيل حياته في بلاد الغربة فهب مذعورا من سريره، استغفر ربه ثم استعاذ به من الشيطان الرجيم، استبدل ملابسه بسرعة ثم انطلق كالسهم يشق الفضاء بحثا عن المكان الذي يقبع فيه صاحب هذا الصوت الحزين، صعد الربوة المطلة على الوادي ثم نظر مليا إلى الأشجار الملتفة التي تغطي عدويته فلم ير شيئا، نزل إلى السفح ووقف هنيهة ليلتقط أنفاسه ثم واصل عدوه مسرعا تسلق الجبل الضخم الشامخ في عزة وكبرياء منذ آباد الزمن خلف المدينة القديمة تتعاقب عليه الحضارات فتبيد وهو شاهد لا يسأم أو يغيب، وكأنه يتجدد في كل يوم، عندما استوى محمود على قمة هذا الجبل برقت عيناه السوداوان مسح وجهه ثم نظر يمنة ويسرة فلم ير شيئا استدار فلم ير شيئا أغمض عينيه ثم فتحهما فلم ير شيئا، قرر الرحيل من هذه الارض رغم هيامه بها إلى مدينة نواقشوط "عاصمة موريتانيا" متنقلا عبر مسافة طويلة تختزل الماضي والحاضر والمستقبل من قرية إلى بادية ومن بادية إلى قرية، إنها الأمنية التي طالما حلم بها محمود الذي علمته الغربة ان حب الوطن والتعلق به مرهون بمعرفته معرفة دقيقة، ولشد ما أثار انتباهه أن القرى التي مر بها إما أنها نائمة رغم أن جراحها تنزف دما أو تائهة في بحر من الرمال أو سجينة في شعاب جبال شاحبة، لا شيء في هذه القرى يشي بالحياة أو يوحي بالحركة إلا أكوام الأوساخ المتراكمة على أبواب المنازل وفي الساحات العمومية أو سذاجة سكان أعياهم السفر وأنهكتهم الفوضى والاستبداد، والفقر الذي يرتسم على شفاه الأطفال الرضع، وما إن رأى محمود مدينة نواقشوط حتى أغمي عليه، لأنه اكتشف لأول مرة أن عاصمة بلده مجرد قرية كبيرة تضع رجلا راسخة في البداوة وأخرى مترنحة على عتبة الحضارة رغم جمال موقعها وروعة عناق أشعة شمسها للرمال الذهبية على شاطئ المحيط الأطلسي الذي تتعالى أمواجه في عنان السماء ثم تتكسر على أرجل صيادين حفاة تعلو وجوههم الكآبة ويملأ أعينهم الحزن رغم أن من بينهم دكاترة وأطباء ومهندسون وأدباء لانقراض أسماك نادرة كانت تزدان بها هذه الشواطئ الساحرة منذ زمن قريب، وقف محمود على هذا الشاطئ الجميل ثم ألقى نظرة حادة إلى المحيط فرأى سفينة تتسرب منها المياه وتتقاذفها الأمواج وألوف مؤلفة من الركاب على متنها يصطرخون ويستغيثون في ضراعة وابتهال للخالق واستعطاف للمخلوق ويلوحون بأيديهم إلى السماء فأدرك أن قراصنة جهلة قد قتلوا ربان هذه السفينة ثم حاولوا قيادتها فلما عجزوا لم يجدوا سبيلا لارواء غيظهم إلا ضرب الركاب المساكين كان آخر ما رآه محمود يد طفل صغير يلوح بها مستغيثا قبل أن تندفع السفينة نحو لجة البحر دمعت عينا محمود ثم قرر الرحيل
 
 
هذه أول محاولة لي لكتابة القصة نشرت في كثير من الصحف الجزائرية سنة 2003

(5) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 08 ديسمبر, 2007 01:08 م , من قبل aminamoulay
من موريتانيا

السلام عليكم
محاوله رائعه الاخ محمد المهدى
سعدت بلمرور على صفحتك
ودمت بخير


اضيف في 09 ديسمبر, 2007 12:36 ص , من قبل nadinemauritanie
من ألمانيا

ليس لدى ما اضيفه او ربما غير مالوفة لدى انت تتقدم بسرعة فى نشر مواضيعك ولا تترك لنا فرصة ان نقرا بتمهل
طاب يومك وقبل ان اذهب انا لست ملحدة بالمعنى المعروف انما لم تعد الديانات عندى تحظى بالمكانة المقدسة التى كانت تحظى بها ويعود ذلك الى انها لا تسلم منها واحدة من التناقض ومن التاكل ايضا وبدت لى مجرد اجتهادات دعت فى معظمها الى السلام والحوار رغم اختلاف ادوات الوصول الى ذلك السلام كما بدت كل واحدة تقدم نفسها انها الاصلح والاقدر على مسايرة الزمن وانها الوحيدة التى تنفع البشر ولم يبقى الان امامى الا ميثاق الامم المتحدة كافضل الطرق للرقى بالانسان والمحافظة على كافة حقوقه بما فيها ديانته وحقه فى ممارسة ما يشاء من فكر ودين وفلسة الى اخره. نحن اولاد النهار ده


اضيف في 09 ديسمبر, 2007 12:39 ص , من قبل nadinemauritanie
من ألمانيا

ميثاق الامم المتحدة لحقوق الانسان


اضيف في 10 ديسمبر, 2007 03:35 م , من قبل medelmehdi
من موريتانيا

الأخت أمينة
شكرا على المرور راجيا لك مزيدا من التوفيق


اضيف في 10 ديسمبر, 2007 03:53 م , من قبل medelmehdi
من موريتانيا

السيدة نادين
إنني أرفض التسليم بدعواك أن الإسلام قد تضمن تناقضا أو دعوة إلى العنف ونبذ التسامح هذه مجرد دعوى والإسلام منها بريئة حتى تثبتين إدانته بمقتضى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يمثل بالنسبة إليك المرجعية العليا

ياسيدتي إذا كان الطعام الذي تتعذى به الأجساد ملوثا فلا يمكن لها أن تكون سليمة من الأمراض وكذلك الأمر بالنسبة إلى الثقافة إن كانت فاسدة فلا بك أن تكون العقول التي تتغذى عليها فاسدة في تفكيرها وما يصدر عنها من أحكام وتصورات.

نخن نرفض أن يكون إسلامنا يستبطن فسادا في المعتقد أو التشريع، ونرفض الخلط المتعمد بين التدين الذي هو شكل من اشكال التأويل وبين الدين ذاته


قلت لم كثيرا بأن الإسلام دين سلام وأكثر أمة تردد لفظ السلام هي الأمة الإسلامية علاقتنا مع البشر " السلام " عندما نحييهم بتحية السلام وعندما ننتهي من الصلاة نجدد تمسكنا بالسلام
من قال إن الإسلام يرفض الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ؟
فلنحدد موضوع الخلاف بيننا وسنناقشه إن شئت على مدونتي وأنشر ردودك على في شكل مقالات ثم ردي عليها




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


محمد المهدي  ولد محمد البشير باحث موريتاني  متخصص في الفقه وأصوله، ومهتم بتاريخ الحركات الإسلامية   mohamedelmehdi@maktoob.com