الفكــــــــــــــــــــر البنــــــــــــــــــاء
صفحة تهتم بالقضاياالفكرية والسياسية والاجتماعية

تعـــــــــــانق العـــلم والإيـمــــــان

 هل للكون بداية ؟ هل قوانين الكون مادية صماء والكون يمشي وفق قوانين رتيبة مثل الساعة الكبيرة ؟ بما فيها العقل والإرادة الإنسانية ؟ أين مركز الإرادة في الدماغ ؟ هل للأخلاق رصيد علمي ؟ هل بدأ الجنس البشري رحلة السلام حقاً ؟

 هذه خمسة أسئلة كبيرة محورية ومصيرية في فهم الكون ، وقوانين الوجود ، ومحورية العقل ، والبناء الخلقي ، والسلام العالمي .

 هل للكون بداية ؟ ( نظرية الانفجار العظيم )

 عندما أراد علماء اللاهوت في أوربا قديماً تحديد عمر الأرض استناداً لنصوص العهد القديم ، شطح بهم الخيال الى 4004 قبل الميلاد ، وكل من غاص في التاريخ ليؤرخ بدايات الكون ، لم يتجاوز السبعة آلاف سنة ، بما فيهم المؤرخ الطبري الذي افترض 6500 سنة مضت ولم يبق أمام نهاية الكون سوى خمسمائة عام . ولكن الفلاسفة مضوا في طريق منفرد فافترضوا أزلية الكون وقدم العالم ، وتورط معهم الفيلسوف ابن رشد  الاندلسي في هذا الاتجاه ، عندما رأى امتداد الكون الزمني اللانهائي ، ولكي يتخلص من التناقض بين أزلية الخالق والمخلوق طرح فكرة تباين الوجود الكوني عن الوجود الإلهي .

 لا التاريخ ، ولا اللاهوت ، ولا الفلسفة ، وضعت يدها على حل المشكلة ، والذي تقدم بالحل هو العلم الحديث . كان ذلك بنظرية الانفجار العظيم .

 أحدث تصور لنظرية الانفجار العظيم تقوم على أن حدثاً غريباً عجيباً متفرداً وقع قبل 12 ( اثني عشر ) مليار سنة ( المعلومة من شهر مارس 1997 م عن تلسكوب هابل الكوني خارج الكرة الأرضية ) عندما كان الكون كله مضغوطاً في حيز أقل من بروتون واحد ، وفي لحظة من سكستيليون الثانية ( واحد من عشرة مرفوعة إلى القوة ست وثلاثين !! ) انفجر الكون كله وتمدد وبرد ، وتشكلت بنية الذرات ثم الكواكب والمجموعات الشمسية والمجرات ، ومنها كوكبنا الضئيل وأمنا الشمس ، ومازالت في حالة إغراق للوجود في طوفان ممتد لا يعرف النهاية ، فالكون في حالة سباحة وامتداد وتشكل جديد في كل لحظة يحتفل بولادة نجوم وكواكب جديدة ، ويزيد في الخلق ما يشاء ، ويخلق ما لا تعلمون .

 الطريف في هذه القصة التي تفوق كل قصص أجاتا كريستي البوليسية أن قوانين الوجود تتعطل كلها في هذه الحقبة المتفردة ، فلم يكن هناك زمان أو مكان ، مادة أو طاقة ، حركة أو قوانين ؟! وفجأة حدث كل شيء ، فالمكان تشكل ، والزمن زحف في الحركة ، والقوانين بدأت في العمل ، والمادة تشكلت ، والطاقة انفجرت وتحررت . كأن الكون كان فيلما متوقفا ، ثم جاءت إرادة خفية فأعطته الأمر بالحركة .

 الفيزياء الجديدة ( النسبية وميكانيكا الكم )

 يعتبر عقل نيوتن من العقول الجبارة التي هندست التفكير الإنساني في القرون الثلاثة الفائتة ، وأرست قواعد للفلسفة وفهم الوجود ، وأثرت العلم بالكشف عن قوانين الحركة .

 افترض نيوتن الكون على صورة ذرات وحركة وقوانين وحيز وزمان . الذرات لبنات الكون الأساسية ، ذات صفات خاصة ، فهي ( جسيمات صلبة ومتحركة وغير قابلة للاختراق ذات أشكال وأحجام مختلفة )  أما خواص المادة التي تشكلها هذه الذرات فيعدد نيوتن منها التمدد والصلابة واللاختراقية والقصور الذاتي ، وبواسطة الحركة وقوانينها ينضبط الوجود ، واعتبر نيوتن أن الزمان والمكان مطلقين ، فالزمن واحد في كل الوجود ، ويتدفق على شكل شلال مضطرد ، لتتالي وحدات الزمن .

 فيزياء نيوتن صاغت العالم حتى القرن العشرين فيزيائياً ، ولكن فيزياء نيوتن أخفقت في السيطرة على تفسير كل الظواهر الكونية ، مما عجل بظهور علوم جديدة وانهيار فيزياء نيوتن . كان ذلك بواسطة الفيزياء النووية الجديدة وتطوير علمي النسبية وميكانيكا الكم .

 أنهارت فلسفته للزمان والمكان والحركة والقوانين والمادة ، وتوابعه من تفسير الكون مادياً ، بما فيها ظاهرة التفكير والنشاط العقلي ، التي تحمس لها توماس هكسلي ( HUXLEY ) العالم البريطاني مع مطلع القرن ، إلى درجة توقعه أن الفيزيولوجيا ستحل لغز العقل والتفكير والنشاط العقلي ، كعمل مادي يفرزه الدماغ كيمياوياً ، كما يرتبط صفير القطار مع إطلاق البخار

 مباحث الأعصاب الجديدة ـ أين مركز الإرادة والوعي ؟

 حاولت النظرة المادية تفسير الكون آلياً بما فيها الانسان والارادة والوعي ، وأدى هذا إلى نفي البعد الإنساني المتميز ، ولكن أبحاث البيولوجيا ومباحث الأعصاب الحديثة وفيزيولوجيا وجراحة الأعصاب شقت الطريق الى فهم جديد للانسان ، على صورة ثورة علمية جديدة وتصور جديد وقفزة إلى حضارة إنسانية مستقبلية جديدة . والذي قاد إلى هذا كان العلم الحديث .

 من هذه الأبحاث وأكثرها تشويقاً مؤتمر تكسون ( TUCSON ) الذي عقد في ولاية أريزونا ربيع عام 1996 م ، والأبحاث العصبية التي قام بها العالم الكندي ( وايلدر بنفيلد ـ WILDER PENFIELD ) ، حيث قام ببحوث رائدة استغرقت منه خمسين عاماً خرج في نهايتها بكتابه المثير ( لغز العقل البشري ـ THE MYSTERY OF MIND ) حيث قام بأبحاثه على أدمغة البشر وهم في حالة وعي كاملة ، من خلال إدخال مسابر في غاية النحافة الى داخل الجمجمة ، ملامسة الأمكنة العصبية ، في محاولة رسم جغرافية كاملة لقشرة المخ ، كما في جغرافية الكرة الأرضية ؛ فإذا كان سطح الكرة الأرضية فيه القارات والمدن ومراكز الصناعة والتسويق والمال والجيوش والتسلح وسيلو إطلاق الرؤوس النووية وناطحات السحاب والأنهار والبحيرات ، في تضاريس مثيرة لاتنتهي ؛ فإن صاحبنا الدكتور بنفيلد فعل نفس الشي مع أدمغة البشر ، حيث استطاع اقتحام مالايقل عن دماغ ألف انسان ، في حالة اليقظة الكاملة ، ورسم كامل الخارطة الجغرافية لقشرة المخ من أماكن الحس والبصر والذكريات ومراكز الحركة والشم والعواطف . الشيء الوحيد الذي لم يستطع تعيينه في هذه الخارطة العملاقة مركز الإرادة ، ولو وصل لشكرته أجهزة الاستخبارات العالمية أيما شكر ، للإمساك بمفاتيح قيادة البشر ، ولكن حرية الانسان وتمرده وتفرده الخاص فوق كل محاولات اختراقه .

  لا يعني هذا أن الانسان أحجية أو لغز غامض يستعصي على الفهم ، ولكنه عالم كامل يتم اكتشافه بالتدريج ، ويبقى الجانب الروحي اللامادي فيه ( ونفخنا فيه من روحنا ) هو لغز الألغاز وسرة فهم الانسان وعقدة الوجود .

 هندسة الأخلاق

 عندما كتب الفيلسوف الهولندي ( اسبينوزا ـ SPINOZA) كتابه الثالث الهام ( الأخلاق مبرهنة هندسياً ) أراد أن يعطي المحتوى الأخلاقي عمقاً علمياً ، فقام يبرهن على جدوى الأخلاق وأهميتها في الحياة الانسانية رياضياً ، كما يبرهن على مسألة رياضية ، فبدأت القضية الأخلاقية تدخل حيزاً جديداً في التفكير الانساني .

 إذا أرادت المحاولة الفلسفية أن تأخذ بعد التأمل والموعظة ، فإن العلم الحديث قام بإقحام القضية بطريقة جديدة ، عندما اندلع مرض الإيدز وبدأت فلسفة الطب تتأمل الواقعة في بعد جديد ، في معنى الشيوعية الجنسية والشذوذ الجنسي وجدوى الاباحية والخيانة الزوجية ، والذي نقل القضية إلى هذا المستوى كان العلم الحديث .

 دعوة الأنبياء إلى السلام وتحقيقها العلمي

 نادى الأنبياء بالسلام ولكن أتباعهم سفكوا الدماء باسمهم واعتبروها حروباً مقدسة ، وأطول حرب في تاريخ الجنس البشري ، وأشدها شراسة ، وأحفلها بالكوارث والقرابين البشرية ، وأشدها دموية ، كانت الحروب الصليبية ، التي دامت مائتي عام ، في سبع حملات عسكرية ، قام بها ملوك أوربا الأميين ، من طراز ريتشارد قلب الأسد ، يقودون عصابات مفلسة وغوغاء جاهلة . وفي حرب الثلاثين عاماً التي نشبت بسبب الصراع الديني ( الكاثوليكي ـ البروتستانتي ) على الأرض الألمانية بين عامي 1618 ـ 1648 للميلاد ، قتل من الشعب الألماني حوالي سبعة ملايين ، من أصل تعداد للسكان بلغ عشرين مليوناً ، إلى درجة أن الكنيسة استصدرت قانون ( نورمبرغ ) الذي أباحت فيه تعدد الزوجات ، خلافاً لكل تعليمات المسيحية تعويضاً للنسل المنقرض (4)

 كل المواعظ الأخلاقية ، وتعاليم المصلحين المتواصل ، وتأملات الفلاسفة وطروحاتهم الجريئة ، مثل أطروحة الفيلسوف الألماني ايمانويل كانت حول السلام الشامل ( ZUM EWIGEN FRIEDEN )(5) لم تتقدم فيه البشرية في طريق السلام ، بل كانت الحروب تتلاحق على شكل دورات مروعة ، تزداد هولاً مع كل جولة جديدة ، بدموية أكثر ، وتطوير سلاح أدق ، وقرابين بشرية أعظم .

 الذي تقدم في حل مشكلة العنف الانساني كان العلم ، وبدأ الجنس البشري يودع الحرب بشكل تدريجي ، فكما استطاعت الدولة باحتكار العنف من الأفراد توفير الأمن لهم مقابل ذلك ، فإن الدولة العالمية هي الأمل الذي يسعى إليه الجنس البشري اليوم ، من أجل مصادرة العنف بين الدول . والتقدم الذي حققه الجنس البشري كان بواسطة العلم ، عندما وصل الى سقف القوة ، وشعر أن الانتحار هو مصير الحرب والقوة والسلاح والعنف وماقرب إليها من قول وعمل ، وبذلمك تم تدشين موعظة الأنبياء بقاعدة علمية لأول مرة في تاريخ الجنس البشري .

 وقد يخفى هذا المعنى لمن لم يتشبع بالوعي التاريخي ، والوعي العالمي ، وحركة التاريخ ، ومعنى العلم ، ومصير الثقافة ، ولكن ظاهرة السوبرنوفا الموجودة في الكوسمولوجيا ، موجودة في الفكر أيضاً ، فعندما كنا ندرس الفكر في الستينات ، كان القانون الاحتمالي يطرح علينا ، بدون أي رائحة لمصطلح ومفهوم ميكانيكا الكم ، مع العلم أن الفلسفة الجديدة تم تطويرها على يد الثلاثي ، فيرنر هايزنبرغ الألماني وبول ديراك البريطاني ونيلز بور الدانماركي ، في العقد الثالث من هذا القرن ( 1928 م ) ولكن هذه الأفكار السلامية التي أطرحها ، ستتعرض لظاهرة السوبرنوفا قبل تشرب العقلية العربية لها ، بعد أن يكون قد خاض أوقيانوس من الدماء ، فعلىمايبدو أن الشعوب لاتستفيد من دروس التاريخ فهي تعيدها بحماقة لاحدود لها ، وعدم الاستفادة من درس السلام من روح الحج ، التي بدأها أبو الانبياء إبراهيم عليه السلام قبل أربعة آلاف سنة ، من أجل إنشاء مثابة للسلام ، تصمد كتجربة ناجحة عبر الزمن ، بحيث تتحول الكرة الأرضية كلها في النهاية الى بيت حرام ، وتنقلب الأشهر كلها الى حرام لايسفك فيها دم الانسان ، ولاتقدم قرابين بشرية في أي صورة من الصور ، تحت أي مسوغ أو دعوى أو مبرر أو شعار .

 النسبية والخلود

 كما أن النسبية أحدثت زلزلة في فهم فكرة الزمن ، فلم يعد الزمن وحدات متكافئة تتدفق باضطراد في مفاصل الكون ، بل تحول الزمن الى نسيج هش ممزق مفكك الأوصال ، فلم يعد الزمن على ظهر كوكب كآخر ، وليس هو في القمر مثل المشتري ، ولا في مجرتنا مثل مجرة الاندروميدا أو مجرة المرأة المسلسلة ؟! الزمن يتوقف على السرعة التي نحلق بها ، والكوكب الذي نستقر عليه ، فإذا تسارعت الحركة انضغط الزمن ، وإذا انتفخ المكان وعظم قصرت عقارب الساعة ، حتى إذا وصلت السرعة الى مايطير به الضوء توقف الزمن ، وإذا عظم جرم الكوكب الذي نضع أقدامنا عليه ، الى حجم خرافي ، تباطأت حركة الساعة فتوقفت في النهاية ، وتوقف الزمن عملياً هو التفسير غير المباشر للدخول في الخلود ، ويضرب علماء النسبية مثالاً على ذلك ، فيما لو أرسلنا شاباً الى كوكب آخر ذو سرعة خيالية ، وأبقينا على صديقه من نفس الجيل على ظهر الأرض ، وسرعات الكواكب تحتلف فأرضنا تدور حول الشمس في 365 يوماً لتقطع دورة كاملة ، ولكن كوكب عطارد يقوم بدورة كاملة في 88 يوماً ويدور حول نفسه ليس مثل الأرض كل 24 ساعة بل كل 59 يوماً ، في الوقت الذي يكمل كوكب بلوتودورته حول الشمس في 248 سنة ، أقول بو قمنل بعد رحلة الشابين بإجراء مقابلة بين الرجلين ولكن بعد مرور نصف قرن بتوقيت الأرض ، فسنكون ضحايا مفاجئة صاعقة ، لعجوز على ظهر الأرض يقابل شاباً يافعاً ممتلئاً صحة ، قادم من كوكب مجهول ، وكأنه اغتسل في نبع الشباب والعافية ، والسر أن الزمن توقف عند الثاني ومشى ببطء القرون ، ولكنه زحف كعادته عند الأول . فالنسبية فتحت إمكانية الفهم عندنا لاستيعاب فكرة الخلود ، التي دشنتها وعبأت الطاقة الروحية للانسان لها كل الكتب المقدسة .

 مشروع البنك الخلوي الأمريكي ( A.T.C.C. AMERICAN.TYPE.CULTURE.COLLECTION )

 ويدخل تحت هذا ظاهرة التبريد التي أمسك العلماء بقانونها وتم إجراء عمليات التداخل على القلب ، وإصلاح عيوبه ، وترقيع ثقوبه ، وتغيير دساماته المهترءة ، واستبدال شرايينه المسدودة ، بزرع أوردة الساق فيه ، من خلال صدمة حمام الثلج التي تدخله في سبات عميق وموت ظاهري وتوقف للحياة مؤقت ، فهذا قطاع كامل قائم بذاته في المشاريع الطبية والعلمية ، ومن أبرزها المشروع الأمريكي في المحافظة على الخلايا ، ومنها الحيوانات المنوية ، فيمكن اليوم المحافظة على أي خلية في كهف التبريد النيتروجيني ، في النشادر السائل 160 تحت الصفر ، فيمكن إيقاف الحياة فيها لمدة عشرة آلاف سنة ويزيد ، لتعود من جديد ، في عملية إعادة الدورة ، بإعادة تكاثر الخلايا وهكذا ، في رحلة تقترب من الأبدية ، وهذا يقرب إلينا قصة أصحاب الكهف ، الذين توقف الزمن عندهم لفترة ثلاثة قرون بالتبريد ، والمدهش والذي يفتح الشهية في قصتهم ، لم يكن التبريد في مستوى الخلايا ، بل في مستوى البشر .

 كذلك فعلت قصة الاستنساخ بتقريب معنى البعث ( البيولوجي ) والحديث الذي أشار الى بعث الانسان من عجب الذنب ، استطاعت آليات الاستنساخ التي رأينا إعصارها ، في خبر استساخ النعجة دوللي ، في 23 فبراير من هذا العام 1997 م ، فالاستنساخ دشن طريقة وتقنية جديدة للقيامة البيولوجية ، إذا أدخلنا إليه تقنيات علم ( حفريات الجينات ـ PALEOGENETIC ) فتقنية حفريات الجينات وصلت الى إمكانية نكش أي قطعة عظم من الأرض ، ودراسة التركيب الجيني فيها ، كما فعل العالم السويدي ( سفينتو بيبو )(6) عندما أخذ خزعة من مومياء قديمة ، وحدد منه التركيب الجيني للكائن الذي شبع موتاً عبر القرون ، وفيلم جوراسيك بارك أخذ هذه الفكرة وأنتج منها فيلماً مثيراً ، عندما اعتمد نفس التقنية ، فأنتج ديناصورات العهد البائد ، ولكن النتيجة كانت مرعبة عندما هاجت هذه الحيوانات تفترس من بعثها من مرقدها ؟‍!

 وحدة الجنس البشري ودفن العنصرية

 كذلك أمكن الوصول الى معرفة ( وحدة الجنس البشري ) وأن أمنا واحدة هي حواء ، وأصلها جاء من شرق أفريقيا ، تم تدشين هذا بوسطة التعاون بين ثلاثة علوم : الانثروبولوجيا ، وحفريات الجينات ، وعلم الالسنيات ، وعرفنا أن جذور الإنسان الأولى لربما نزلت الى حوالي خمسة او سبعة ملايين من السنين ، وكان آخر كشف وأكثره مدعاة للإثارة ، الذي كشف عنه العالم الانثروبولوجي الأمريكي ( تيم وايت ـ TIM WHITE ) بكشفه عن انسان ( ارديبثيكوس راميدوس ـ ARDIPETHICUS RAMIDUS) في أفريقيا ، وحدد عمره بحوالي 4,6 مليون سنة . مقارنة مع عمر الأرض التي حددت ب4,6 مليار سنة . حيث يمثل ظهور الانسان في سفر الخليقة الصفحة الأخيرة من كتاب بألف صفحة . هذا ايضاً دشنه العلم الحديث وصدقت نداءات الانبياء عبر التاريخ ( كلكم لآدم وآدم من تراب ) وتم دفن العنصرية ونظرية تفوق الأعراق هذه المرة بمعول علمي رشيد .

 يوم الحساب وديسك الكمبيوتر

 كما أن فكرة الحساب الأخروي تطوع في تقريبه الكمبيوتر ، فيمكن حجز كل ذاكرة الانسان اليوم في ديسك واحد لايتجاوز حجم الكف ، كي يقرأ الانسان كتابه ، كفى بنفسه عليه حسيبا ، فهو ديسك كمبيوتري لايغادر صغيرة ولاكبيرة الا أحصاها . وليس هناك حاجة لعضو اللسان كي ينطق ، فيمكن إنطاق الكاسيتات من كل الأشكال ، كل هذا قربه إلينا العلم الحديث .

 الكمال الإنساني وطاقة الدماغ

 كذلك عرفنا من خلايا تشريح الدماغ والتركيب النسجي أن مفاتيح طاقة الدماغ والتفكير تعتمد مائة مليار خلية عصبية ، مطوقة ومحاطة و ( مفلترة ) بمائة مليار خلية عصبية أخرى دبقية ، في ترابط يعجز العقل عن متابعة تصوره ، فكل خلية لها ألف ارتباط كحد أدنى ، وبعضها يصل الى مائتي ألف أرتباط ، كما في خلايا ( بوركنج ) في المخيخ ، مما يخلق قنوات وممرات وطرق عصبية مذهلة ، بكم خرافي فلكي من إمكانيات شق طرق جديدة دوماً ، وزيادة التعلم وكسب المهارات بدون توقف ، فالمفكر الفرنسي ( ليفي شتراوس ) يتعلم اليابانية اليوم وهو في عمر التسعين ، كما أن الامام محمد عبدة بدأ في تعلم الفرنسية بعد ان تجاوز الخمسين من العمر ..

 إذا تصورنا جهاز الفيديو أو التلفزيون بنقاط اتصال كمفاتيح الكترونية في عدد يصل الى العشرات وبارتباطات محدودة ، فعلينا تصور الدماغ الانساني ، ذو المائة مليار مفتاح الكتروني ، وكلمة الكتروني تصغير وإنقاص وليس فيها كل الحقيقة ، وهي تبسيط هائل لحقيقة مايجري داخل الدماغ ، لإن الخلايا العصبية لاتعمل بقوانين الفيزياء فقط ، بل تتصل الخلايا العصببية بواسطة المحاور العصبية فتتدفق السيالة العصبية أولاً بشكل كهربائي ، ولكنها بتماسها مع الخلايا الأخرى عند الوصول الى التماس مع الخلايا الأخرى ، تتحول عملية النقل الى الشكل الكيمياوي ، وهي هنا في نهاية الاستطالات العصبية شيء مذهل ، فما كشف عنه العلم حتى اليوم ، إفراز مايزيد عن أربعين مادة كيمياوية ؛ فالدماغ بعمل بآليات مختلفة منها الفيزيائي الكهربي ، ومنها الكيمياوي ، ويخلق مالاتعلمون وفوق كل ذي علم عليم ؟؟.

 العلم كشف عن أسرار بداية الكون ، ومحورية العقل ، وخلود الروح ، والبعد اللامادي في الانسان ، ولاأطلاقية الزمان والمكان ، ووحدة الجنس البشري ، وفكرة الخلود ، وبرمجة الكون ، وهيمنة القوانين مغلفةً بالجمال ، والناظم الأخلاقي للحياة ، ورحلة الكمال الانساني ، وشق الطريق الى السلام العالمي .

 العلم قدم الدليل على الخلق والخالق ، واليوم الآخر ، والعمل الصالح ، في المنظومة الثلاثية الأساسية الإيمانية ، فاجتمع العلم والايمان ، وتعانق العقل والضمير ، في عقدة تستعصي على الفكك ، واندمج في وحدة عضوية نامية متطورة ، تهذب الانسان وتقربه من الرحمن الرحيم .

{  ويرى الذين أوتو العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي الى صراط العزيز}

من كتاب الدكتور خالص جلبي الثورة العلمية والإيمان

 

  

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


محمد المهدي  ولد محمد البشير باحث موريتاني  متخصص في الفقه وأصوله، ومهتم بتاريخ الحركات الإسلامية   mohamedelmehdi@maktoob.com