الفكــــــــــــــــــــر البنــــــــــــــــــاء
صفحة تهتم بالقضاياالفكرية والسياسية والاجتماعية

ماذا بقي من ولد الطايع في ذكرى استيلائه على الحكم؟

أعمار الملوك والرؤساء لا تحسب بالأعوام التي يقضونها في الحكم، ولاالثروات التي يكدسونها في خزائنهم، وإنما تقاس بما يتركونه من بصمات في تاريخ أمتهم، وآثار تشهد لهم أو عليهم، فالزعيم نيلسون ما نديلا سيبقى رمزا يأتلق اسمه على جبين نضال الشعوب من أجل حقوقها، وجمال عبدالناصر قد نقس اسمه في سجلالخالدين، و"هتلر" لن ينمحي اسمه من ذاكرة البشرية مهما تطاول الزمن.

ومعاوية ولد سيدي أحمد ولد الطايع "رجل" حكم موريتانيا عشرين سنة كاملة، قديرفعه محب إلى درجة التقديس، بينما ينزل به شانئ إلى الدرك الأدنى من التدنيس، بيدأن التقديس لن يزيده رفعة فوق قدره الذي لن يعدوه، والتدنيس لن ينقص شيئا من منزلتهالتي هو أهل لها في التاريخ.

ذلك أن التاريخ شاهد يرصد بدقة حركة الوجود،وقاض لا يجور أو يظلم، يعيد للمظلومين حقوقهم، ويكشف الخبايا ويظهر الأسرار،والحقيقة لن تبقى مجهولة يلفها الغموض، بل لا بد أن تنتفض من تحت أنقاض التزويروالادعاء، أو تطل من وراء حجب التجاهل والنسيان، عندما يتلاشى لهيب المشاعر، ويتخلصالناس من حساباتهم الضيقة، ويصبح الماضي جزءا من التاريخ، يتحكم الأفراد فيه، ولايحكمهم، ساعتها تبرز الحقيقة سافرة عن محياها تختال في دلال وحياء.
إن ولدالطايع ليس مجرد رجل قذف به القدر إلى سدة الحكم، ثم رماه بعيدا كما يرمى"المنديل" في سلة المهملات، بل هو "رجل" حكم موريتانا أطول فترة في الماضي، وإنوفى المجلس العسكري بعهوده، والتزم الموريتانيون بمقتضى دستورهم المقبل، فستبقىفترة حكمه الأطول في تاريخ موريتانيا على الإطلاق.

لقد صار اسم ولد الطايع جزءامن تاريخ موريتانيا، مثله في ذلك مثل "سيدي ولد مولاي الزين" و"كابولاني" ولايمكن أن يشطب اسمه في فورة حماس عارم، أو يختزل تاريخه بجملة من كلمتين: "الحكمالبائد" لأن هذه الكلمة لا قيمة لها في ميزان السياسة ولا التاريخ، سوى أنها قدتريح قائلها من عناء البحث في الماضي، إن لم تكن شكلا من أشكال الانتقام اللاشعوري،أو التعبير عن مخزون الحقد الدفين.

ما ذا بقي من ولد الطايع في ذكرىاستيلائه على الحكم؟

سيظل ولد الطايع حلما يداعب أخيلة رجال تبسم لهم الحظالسعيد في أيامه، فنالوا من المال والشهرة والجاه ما لم يكن يخطر لهم على بال،وعندما سمعوا بنجاح الانقلاب عليه اسودت الدنيا في أعينهم وأظلمت الحياة، وكابوسايؤرق آخرين اكتووا في عهده بنار الفقر والحرمان، وذاقوا طعم الظلم والهوان،واستقبلوا خبر نجاح الانقلاب عليه بفرح شديد، وشعروا كأنهم ولدوا من جديد.
لقد استطاع ولد الطايع أن يغسل عقول كثير من الموريتانيين من حمولتهاالحضارية وموروثها الثقافي، وقيمها الإسلامية الأصيلة، ونخوتها العربية، وشيمهاالإفريقية، ثم يعيد تشكيلها من جديد وفق ما يتواءم مع أهوائه الشخصية ورؤيته الخاصةللكون والحياة، فأصبحت للموريتانيين معايير اجتماعية لم تكن لدى أسلافهم من قبل،ونسق فكري غير مستمد من الإسلام، ومنظومة خلقية مغايرة لما كانوا عليه قبل مجيئههو، لقد كان ولد الطايع يستهدف في المقام الأول إعادة صياغة الإنسان الموريتانيليكون خلقا آخر، همه المادة وحدها لا يقيم وزنا للدين، ولا للأخلاق ولا للمعروف،وقد كاد ينجح في مسعاه، حيث أصبحت قيمة الرجال تقاس بالمال الذي يمتلكونه، أو بالوظائف التي يشغلونها.

واتبع أساليب مدروسة في استدراج المرأةالموريتانية التي كانت نموذجا للعفة والحياء، حتى ولجت عوالم كانت تعد - من قبل- من الموبقات، لعل آخرها دخول المرأة الموريتانية إلى صفوف الجيش الوطني.

وجعل الرجل الموريتاني يلهث وراء المال ليس حبا للغنى في ذاته، وإنما رغبةفي الحصول على مكانة اجتماعية بين أهله وذويه، حتى يضمن لنفسه الاحترام، وينتزعلها اعتراف الآخر، الذي هو غريزة إنسانية لا يمكن نكرانها.

كما نجح فياستغلال الدولة، والإعلام، والثقافة، والفن، والأدب، والدين، والسياسة،والاقتصاد، والمرأة، والأحزاب، وهيئات المجتمع المدني، ليعيد برمجة عقول هذا الجيلوفق فلسفة مادية "نفعية" تعتبر المادة إلها مع الله، أو إلها من دون الله، حتىاتسع مفهوم التجارة الذي كان يقتصر على بيع السلع والخدمات، ليشمل تجارة المبادئ،وشراء الذمم، وسارت موريتانيا على هذا النهج حتى انتشر قتل الغيلة [القتل لأخذالمال]، والاحتيال، والغش، والخديعة، والكذب، ونهب المال العام، وصار الأجانبيتوجسون خيفة من الموريتانيين، وحيلهم التي يتبعونه في الحصول على المال، بعد أنكانوا مضرب المثل في الأمانة والصدق. ووصل الأمر إلى درجة ازدهار "تجارة الجنس".
كما أنه قطع أوصال المجتمع حتى لم يعد للرحم حق وحرمة، فعادا الأخ أخاه،والعم ابن أخيه وصار الحب في ولد الطايع والبغض فيه علامة على شدة الولاء، وصارالصدق والاستقامة سلعة كاسدة، وتحول النفاق والتملق إلى بضاعة رائجة، وأجهض مفهومالدولة الذي كان في طريقه للتشكل، وأعاد للقبيلة المتصارعة على الزعامة سالف مجدها،وصار الساسة والمثقفون يحيكون الدسائس، وينسجون علاقات عنكبوتية ليحطموا بها قبيلةأو بطنا من قبيلة ويبنوا بها أخرى.

لقد رحل ولد الطايع لكنالبذرة الخبيثة التي زرعها كفيلة بأن تعيد إنتاج رجال من طرازه، إنه لم يغب إلاشخصه أما ألسنته فما زالت تأمر وتنهى، ويداه بقيتا طليقتين تبطش يمينا وشمالا، وعيونه ما تزال تترصد حركات الناس وتحصي عليهم أنفاسهم.

رحل ولد الطايعلكنه بقي روحا تسري في عروق جيل من الموريتانيين صنعهم على عينه، ورؤية سياسيةقوامها التزلف، وأسلوبا في الإدارة، وطريقا في التسيير، ونمطا في التعامل مع المواطنين، إقصاء لأصحاب الكفاءات ممن يأبون الضيم، ولا يستمرؤون المذلة أو يبيتونعلى الهوان، وتقريب من يتفانى في إظهار الولاء، ويقبل الركوع لغير خالقه.

إن من يحسبون أن ثقافة عهد ولد الطايع، والقيم التي انتشرت في فترة حكمهقد انتهت بانقلاب 3/8/2005 واهمون، لأن حركة التاريخ بطيئة، والظواهر الاجتماعيةأكثر تعقيدا من أن تنشأ طفرة، أو تزول طفرة، فعشرون سنة من غسل الأدمغة، وإعادةتشكيل الوعي لا يمكن أن تنمحي بين عشية وضحاها.

 
تاريخ الماده:- 2005-12-19

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية