الفكــــــــــــــــــــر البنــــــــــــــــــاء
صفحة تهتم بالقضاياالفكرية والسياسية والاجتماعية

الحزب الجمهوري من الإفلاس الفكري إلى الفشل السياسي

الشرط الأساس لأي عمل يراد له أن يكون محركا للتاريخ ومساهما في بناء حضارة تنشد، ومحققا لأهداف سامية وغايات نبيلة أن ينبثق من رؤية شاملة لمناحى الحياة مستوعبة لأسرار الوجود وتصور واضح لأسباب النجاح والرقي، وعوامل التخلف والانتكاس وطرائق التغيير الاجتماعي والنهوض الحضاري أن تكون نقطة ارتكازه
التي عليها ينبني وجوده ومنها يستمد غاياته ويستلهم مبادئه وأهدافه منظومة معرفية متكاملة تقوم على نسق فكري متجانس، تربط بين مبادئه وأهدافه مجموعة من العلائق المتينة تتساوق فيها الرؤى والتصورات مع الخطط المرسومة، وتتلاءم فيها الوسائل والآليات مع العمل المنشود، وهو أمر صعب المنال لا يكتسب بالادعاء ورفع الشعارات بل لا بد له من طاقات بشرية تمتلك نصيبا وافرا من غزارة العلم ورحابة الصدر وبعد النظر وسداد الفكر وتعدد المواهب والإحاطة بالتخصصات العلمية التي يستلزمها مثل هذا العمل، إضافة إلى وجود إيمان راسخ بالفكرة المحركة له واستعداد للتضحية من أجلها، واستفراغ الوسع لتحقيقها بعد أن تتبلور في الذهن وهذا ما يقتضي جهدا مضنيا وعملا شاقا تستنفر فيه طاقات النفس وتستجمع قدرات العقل بغية إنجاح هذا العمل.
وبناءا على هذه المسلمات البديهية والمقدمات المنطقية يتجلى بوضوح أن الحزب الجمهوري الحاكم في موريتانيا لم يسر على هذا السنن المتفق عليه بل ظل يراوح مكانه لا يخطو خطوة إلى الأمام حتى يتقهقر عشر خطوات للوراء، يترنح بين المتناقضات ويتخبط في الظلمات لانعدام بوصلة فكرية توجه مساره، وتحدد سياساته وترسم أهدافه وسند إيديولوجي يحمي لحمته من التمزق ويضمن له الديمومة والبقاء، وقد اعترف أحد مؤسسيه  أنه مجرد كأس فارغة تحاول كل مجموعة من المجموعات المتناقضة داخله ملأها بإيديولوجيتها الخاصة، ولكن الزمن كشف بما لا يدع مجالا للشك أن تلك الكأس مثقوبة لا يستقر فيها فكر ولا تثبت إيديولوجيا، وأن المجموعات المتصارعة داخل الحزب الجمهوري لا يحركها طموح في تجسيد مشاريع سياسية قادرة على انتشال موريتانيا من الفقر والمعاناة، وإنما تحركها الأطماع الشخصية و المصالح الأنانية الضيقة؛ لأن هذا الحزب لم يؤسس – أصلا - لنصرة فكرة يؤمن بها مؤسسوه أو تحقيق برنامج حضاري تقف وراءه نخبة لها إيديولوجية معينة، وإنما أسس للحفاظ على مصالح أشخاص كانوا موجودين في السلطة قبل التفكير في انشاء الأحزاب السياسية بعقد من الزمن، ولا آصرة تربط بينهم أو وشيجة توحد رؤاهم وتصوراتهم إلا اقتسام الغنائم والتفرد بالسلطة، وهو ما تبين عندما دخلوا معمعان السياسة وأرادوا استقطاب الناخبين، حيث كان تركيزهم على نفس الآليات والأهداف التي كانوا يتبنونها من قبل .
- محاولة إقناع الناس بأن رئيس الحزب شخصية كرازماتية أرسلتها العناية الإلهية لانقاذ موريتانيا ويستحيل أن يصلح العباد أو تستقيم البلاد في غيابها.
- إتباع سياسة الترغيب والترهيب لإسكات المعارضين وإنهاك قواهم ثم محاولة استقطابهم لاحقا.
- الاعتماد على المال لشراء ذمم الناخبين وضمان ولاء المنخرطين.
- انتهاج سياسة تفتيت المعارضة وتفجيرها من الداخل حتى لا تجتمع لها كلمة أو يستقر لها قرار فيتسنى لها سحب البساط من تحت أقدام هذا الحزب المهزوزة.
- حشد الطاقات وتبديد الجهود والثروات في حملات فيلوكلورية قد تلهي الدهماء ردحا من الزمن ولكنها لا تقدم ولا تؤخر في الوقع شيئا .
- الاحتفاء باستقطاب بعض فلول المثقفين ممن كانوا يركبون موجات التيارات الإيديولوجية لاقتناص مآربهم وتحقيق أهدافهم فلما أعياهم الحصول على مبتغاهم خانوا المبادئ وخذلوا الرفاق وامتطوا حصان القبيلة الذي طالما لعنوه ليدخلوا به الحزب الجمهوري معززين مكرمين.
هذه بعض المؤشرات على إفلاس الحزب الجمهوري إفلاسا فكريا رهيبا وهو يحاول تلافي هذا الإفلاس بإحلال الأشخاص والأموال محل الأفكار والبرامج ظنا منه أن الأفكار والبرامج يمكن للأشخاص أن يحلوا محلها أو للأموال أن تسد مسدها ؛ وفاته أن الأشخاص لا يمكن أن يحلوا محل الأفكار لأنهم يخطؤون وينحرفون أولا ولأنهم ميتون ثانيا، وأن الأموال والوظائف لا تسع الجميع بالسوية مهما كانت كثرتها، بل إن التنافس عليها يولد الضغائن والأحقاد بين الناس وهو أمر مشاهد لدى أنصار الحزب الجمهوري ومحبيه، بخلاف الأفكار التي تبقى حية بعيدة عن الخطأ ما دامت لها صدقيتها وفاعليتها، ويمكن أن تقسم بين الجميع بالتساوي ولا تسبب الأحقاد والضغائن بين معتنقيها بل تورث التآخي والمحبة.
أما الفشل السياسي فله مظاهر كثيرة داخلية وخارجية ، فمن مظاهره الداخلية تقويض الأنساق الحضارية التي كانت في طور التشكل - والتي هي عماد الدول وقوام الحضارة - وإعادة الحياة لأنماط بدائية متخلفة كانت في طريقها للتلاشي والزوال، ومصادرة الحريات العامة، وحل الأحزاب السياسية القوية، وتكميم أفواه المعارضين، والزج بأصحاب الرأي بسبب آرائهم في غياهب السجون، وحظر الصحف ذات المصداقية العالية والانتشار الواسع، مما اضطر كثيرا من الكفاءات الموريتانية إلى الفرار من هذا الجحيم رغبة في حياة كريمةآمنة في بلاد الغرب أو في أي بقعة من العالم يمكن للمرء أن يطمئن فيها على أمنه وحريته، وكان فشل السياسة الحزب الجمهوري الخارجية أعمق، لأن هذا الحزب لم يحدد الآليات اللازمة لتحسين صورة البلد في الخارج ومد جسور الصداقة القائمة على المصالح المتبادلة مع الآخرين، فلم يسع لتوطيد علاقاته مع الدول الإفريقية، ولم يفلح في ترسيخ أواصر الأخوة مع الدول العربية، ولئن أقام علاقة ديبلوماسية مع إسرائيل إلا أنه لم ينجح في كسب ودها، لأن السياسة الإسرائيلية مبنية على المصالح وليس لديها مصالح في موريتانيا حتى تقايض النظام عليها، وقد كشفت اعتقالات الإسلاميين الأخيرة مدى هشاشة سياسة البلد الخارجية حيث لم يفلح في إقناع العالم بأنه اعتقل مجموعات كبيرة من الإرهابيين بل فشل في ذلك فشلا فظيعا وفندت منظمات حقوق الانسان الدولية مزاعمه ونددت بخروقه لحقوق المعتقلين الذين اعتبرت سبب اعتقالهم سياسيا ولا صلة له بمحاربة الارهاب مما جعل الحزب الجمهوري يلجأ إلى ما سماه هيآت المجتمع المدني الموريتاني لمساعدته في
الوقوف أمام منظمات حقوق الإنسان، وإذالم يكن هذا هو الفشل السياسي فما في العالم شيء اسمه فشل سياسي؟
 
نشر في  الجزائر 5/6/2003
 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية