ولا يسلم من ظنه السيئ أحد ولو كان أشرف الناس لأن الإنسان لا يرى العالم الخارجي إلا من زاوية أفكاره وتصوراته ورؤاه الداخلية، لهذا ورد في القرآن الكريم { ولا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض }لأن القلب المريض والفكر الفاسد لا يريان في هذا الوجود إلا الفساد والصور القاتمة.
وورد في الحديث الصحيح \" الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها إئتلف وما تناكر منخا اختلف \" فالمجرم لا يحب إلا المجرمين لأن روحه تشاكل أرواحهم.
على ضوء هذه القاعدة العلمية يمكن أن تفسر سياسة النظام الموريتاني تجاه مواطنيه فهو يعامل الجميع معاملة سيئة لأن فكره سيء وظنه أسوأ فكره جميع مواطنيه الصالحين وخافهم لاختلاف فكره عن فكرهم فهو لا يحب إلا الفاسدين المفسدين لأنهم يضاهونه في التقكير والسلوك، أما الأخيار فإنه يحسب أنهم يكيدون له ويخططون لاختطاف السلطة منه فأراد أن يفتك بهم قبل أن يفتكوا به.
وهذا شأن كل نظام مستبد فاسد، بخلاف الأنظمة الرشيدة التي يدعي مرتزقة النظام الموريتاني أنه واحد منها، إذ لو كان نظاما راشدا لما أساء الظن بخيرة مواطنيه واعتقلهم بدون سبب يبيح ذلك، ولا اتهم البرآء منهم من غير بينة تدينهم ولا لفق الشائعات ضدهم ولا اكترث بما يشاع عنه، لا لأنه يعتمد على الأغلبية التي يستمد شرعيته من انتخابها له كما يزعم هو ومرتزقته بل لأن النظام الرشيد يسير في فلكه المرسوم نحو غاية عظمى وهدف أسمى يشغله عن تزجية الوقت بالأمور التافهة، فضلا عن كونه يوفر لجميع مواطنيه - مناصرين ومعارضين - من العدالة والأمن والازدهار ورغد العيش ما يجعلهم حريصين على بقائه واستمراره حرصهم على بقاء العدالة والأمن والرخاء الذي وفره لهم.
فهو يعتمد على رصيده من المنجزات الاقتصادية والعلمية والاجتماعية والثقافية التي يراها الجميع بأعينهم وينعمون بها في حياتهم قبل أن يعتمد على قوة أجهزته الأمنية وكفاءة استخباراته، وإخلاص رجاله له ، وشدة التفاف الناس حوله، ثم إن النظام الرشيد من شأنه أن ينشغل بالبناء والتنمية خدمة للوطن وتحقيقا للعدالة ونفيا للظلم والمحاباة والحيف، ويشغل مواطنيه بما هو منشغل به من ذلك حتى لا يبقى لدى أحد منهم فائض من الوقت لاختلاق الشائعات والترويج لها أو تتبعها والاستماع إليها .
أما النظام المفلس كالنظام الموريتاني فإنه لا يهتم بشيء سوى الخلود في الكرسي واكتناز الأموال ولو بامتصاص دماء المستضعفين واستجداء الصدقات والتسول على موائد الدول الأجنبية وبيع كرامة المواطن وارتهان شرف الوطن ، لذا تراه يخاف الشائعات، لأنها سر بقائه وديمومته وهي مصدر شرعيته فسياسته مبنية في جوهرها على الشائعات فبالشائعات حقق شعبيته وأقنع العوام بإنجازات لا وجود لها في الواقع، وانتصارات وهمية على أعداء وهميين، واستدر مساعدات كثيرة بحجة أن مجاعة وهمية تهدد الشعب تارة وبها روج لأرقام كاذبة عما حققه من نسب نمو لا أصل لها، فالشائعات هي عدته في السراء والضراء، وسلاحه في الداخل والخارج على حد سواء .
وسر اعتماد النظام الموريتاني على الشائعات يعود لشدة إفلاسه في جميع مجالات الحياة، وشتى مناحيها وإن كانت شائعاته تعبر عن بدائيته وسذاجته في مجال اختلاق الشائعات وحبكها وترويجها قبل أن تدل على غبائه وسخافة رئيسه ووزرائه في مجالات الحياة الرحيبة حيث إنه كثيرا ما يربط الشائعة بسبب لا يمكن إلا أن ينتج نقيضها، ويربط النتيجة بشائعة لا يمكن أن تكون مقدمة من مقدماتها.
ومما كشف سياسة الخداع والكذب التي يتبعها أنه لما أحس بأن شائعاته لم تعد تقنع أحدا لكثرة عرضها وقلة الطلب عليها لم يقلع عنها مؤقتا أو يخفف منها بل ضخ مئات الشائعات السخيفة والمتناقضة أملا في إقناع الناس بها تطبيقا لمقولة : [ اكذب ...اكذب... اكذب فلا بد من أن يصدقك أحد ]، في خطوة تعبر عن افتقاد هذا النظام لبوصلة توجه سياسته وعقل ينظم تفكيره ومما أفقده صوابه ورشده - مع أنه لم يكن في يوم من الأيام يتمتع بذرة من الرشد أو الصواب - أن شائعاته بدأت تتهاوى تباعا بدءا بشائعة محاولة الزرقاوي المشغول - إن كان موجودا - بمجاهدة أعتى قوة في العالم لقلب نظام ولد الطايع وتآمر ليبيا معه على ذلك ، وانتهاء بشائعة ترويج علماء أجلاء لصور تعذيب السجناء في مدرسة الشرطة، وقد عرت هذه الشائعة حقيقة هذا النظام الذي أخذت قبضته الحديدية تضعف بعد أن فتح على نفسه جبهات عديدة [ داخلية وخارجية ، مدنية وعسكرية، إسلامية وليبرالية، سياسية واجتماعية] في وقت تراجعت فيه شعبيته بين العرب\" البيظان\" بعد أن كان عدوه الأول الزنوج الموريتانيين وسكان ضفة النهر السينيغالي صار مصدر الخطر العرب وسكان المناطق الشرقية وجميع الشرفاء والغي ورين على سمعة موريتانيا ودينها وشرفها وهويتها التي تنكر هذا النظام لها بعد تفاقم ظلمه وطغيان حاشيته وتماديه في تكرير أخطائه وارتفاع هوس رئيسه المريض وتفرد بطانته باتخاذ القرارات، وزاد هوسه الواقع الدولي الذي بدأ يحاسب الأنظمة المفلسة.
فبدأ هذا النظام يعبر عن إساءته الظن بالجميع لسوء معاملته للجميع، وخوفه من الجميع لأنه أضر بالجميع وآذى الجميع ، وهو يتوقع جزاء من جنس أعماله وأعماله لا تشفع له . مما يناقض ادعاءه الشرعية السياسية وانتخاب أغلبية المواطنين له بمحض إرادتهم لأن نظاما يتوقع الشر من مواطنيه في كل لحظة وكل مكان حتى وهو يؤدي صلاة العيد في المسجد ويكيد لهم ويختلق المعاذير للزج بخيرتهم في السجون ويخاف منهم إلى درجة الهوس أو \"الفوبيا\" لا يمكن أن يكون نظاما منتخبا.
إن الحقيقة التي لم يرد النظام أن يكشفها والتي يخاف مواجهتها أن مصدر قلقه ناتج عن سوء أفعاله التي جلبت له كثيرا من الأعداء من جهة، وعن شعوره بالضعف من جهة أخرى، فأراد أن يعالج هذا المشكل باختلاق مشاكل جديدة من شأنها أن تضعف كل سياسي أو مثقف أو عالم أو داعية يمكن أن يلتف حوله الموريتانيون الراغبون في التغيير الحالمون بغد مشرق ليس فيه عقيد مهوس بأمنه وأمن بطانته الفاسدة المفسدة
نواكشوط بتاريخ2004-12-07
الاحد, 03 يونيو, 2007
هناك علاقة طردية بين سوء التفكير وسوء العمل، فمن يقترف عملا سيئا لا يحسب أن شخصا واحدا في هذا الوجود يمكن أن ينجو من ارتكاب مثل ذلك العمل السيئ مهما كانت درجة ورعه وتقاه. لأن كل عمل يصدر عن الإنسان - هو عند التحقيق - التجسيد الواقعي لأفكاره المستكنة في وجدانه ومثله العليا التي يحلم بها فهي التي تنتج التصرف إنسانيا كان أم إجراميا، فإذا كانت الفكرة التي في الوجدان فاسدة لم تنتج إلا تصرفا فاسدا، وإن كانت فكرة طيبة لم تثمر إلا عملا طيبا من هنا كان المجرم أشد حذرا من الناس وأكثر إساءة للظن بهم خشية أن يقترفوا جريمة في حقه من جنس الجرائم التي يقترفها هو في حق الآخرين.
نشر باسم مساعار
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








