الفكــــــــــــــــــــر البنــــــــــــــــــاء
صفحة تهتم بالقضاياالفكرية والسياسية والاجتماعية

الإنسان بين النقص والكمال

الإنسان كائن تنطوي في عوالمه أسرار لا حدود لها، يرتقى إلى قمة الكمال البشري استجابة لنداء الروح التي هي سر إنسانيته، ونزولا عند حكم العقل نبراسه الذي يكتشف به الحقائق ويعرف الخير والشر، والجمال والقبح، وميزانه الذي يزن به المصالح والمفاسد، والمنافع والمضار ويقوم الأزمنة المتعاقبة حسب أهميتها فلا تستغرقه لحظة عابرة أو لذة عاجلة أو منفعة صغيرة من التخطيط لمستقبل قادم ومصلحة أكبر، ثم ينحدر إلى الدرك الأسفل نزولا عند ضرورة جسد أوإلحاح غريزة أوطبيعة نفس أمارة بالسوء فيضعف ويكبو ثم يرتقي من جديد في محاولة لتسلق شجرة الكمال واستدراك ما فاته لعجز أو قصور.

وهذه طبيعة النفس البشرية التي فطرها الله عليها لا تبديل لخلق الله، وقدر الإنسان أن تتصارع في ذاته المتناقضات وتتجاور في عوالمه الأضداد، تحار في كنهه، وتعجز عن استكناه أسراره والوصول إلى أغواره الباطنة

فشخصية كل فرد تتشكل من صفات ذاتية تميزه عن غيره، بما تشغله من حيز في النفس بحسب قوتها وتمكنها و كلما اتسع الحيز الذي تحتله صفة ما، تقلص الحيز الذي تشغله الصفة المناقضة لها، لأن النقيض يطرد نقيضه، يجبن العالم، ويبخل الأمين، ويخون الشجاع، ويسخو الكاذب، والذي يتعلق بشخص ما محبة له وتعظيما، يظل إعجابه به يزداد واحترامه له يكبر، ما دامت صفة الكمال تحجب عن ناظريه صفة النقص، حتى إذا ما اكتشف في لحظة عابرة صفة نقص، تبدى له ذلك الإنسان عينه وقد أعتمت الجوانب المشرقة من إنسانيته، فينزله من عليائها أسفل سافلين، على حد تعبير المتنبي

ولم أر في عيوب الناس عيبا ** كنقص القادرين على التمام

وما دام لا يوجد في الكون إنسان كامل – حاشى الأنبياء – فإن العدل يقتضي أن يحكم على الشخص بحسب الغالب عليه من الصفات، وأن نهب صفات نقصه لصفات كماله، وحالات عجزه وقصوره لحالات قوته واقتداره.

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية