ما أحوج ساحتنا الثقافية الراكدة، وحركتنا الاجتماعية الرتيبة، إلى طرح فكري جريء يستفز العقول النائمة، حتى تتمايز الحقائق عن القناعات المبنية على الأوهام، لنكتشف الواقع كما هو، لا كما تتصوره بعض النخب الموريتانية في أذهانها، ولعل خطاب رئيس الجمهورية الأخير نحى هذا المنحى، حيث فتح المجال للحديث عن "المسكوت عنه" و التفكير في " اللامفكر فيه" ، لتبرز إلى الساحة رؤى متمايزة، ومواقف مختلفة تتكئ على الخلفية الفكرية والانتماء الإيديولوجي، والوعي الثقافي، والنظرة الاستشرافية، والحسابات الانتخابية، وهو أمر مقبول ما لم يخرج عن أبجديات الحوار الحضاري إلى تبادل التهم، والتنابز بالألقاب، والارتكاس في نمطنا الثقافي المتخلف من تراتبية طبقية تجلس أقواما على الهرم، وتنزل آخرين إلى أسفله، واحتكار الحقيقة والتحدث عنها باسم حق " الزعامة القبلية" أو"المريدية" أو "الشرعية القيادية" حيث تكون العلاقة عمودية تطغى عليها لغة الطاعة تنفيذا لأوامر الجهة العليا، بعيدا عن العلاقة الأفقية القائمة على أساس الندية التي يسودها الحوار - ولا يكون الحوار إلا عندما تختلف الرؤى وتتباين المواقف – وتختفي مقولة المستبد الأكبر " { ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} والتبجح بالمنصب السياسي والموقع الاجتماعي { أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين } . إن الحوار أسلوب راق يتعاطاه الراشدون لحل ما يختلفون فيه من أمور عامة حتى يستطيعوا التعايش بأمن وسلام، وهو ثمرة الإيمان بالديمقراطية طريقا لإدارة المشاكل وحلها، بعيدا عن التحاكم إلى العنف الحسي أو المعنوي، لنفي وجود الآخر ماديا، لأن الاعتراف به لا ينحصر في مجرد القبول بوجوده الفيزيائي، أو الاعتراف بحقه في الحياة، وإنما يعني الاعتراف بحقه في وجوده المعنوي، خصوصيته الذاتية من لهجة، وفكر، و تراث، وذوق، وتوجه سياسي. فلنكن صرحاء ولنعترف بالحقيقة : إن الدولة الموريتانية اليوم على مفترق طرق، وأمام نخبتها - بتعدد مشاربها - فرصة تاريخية لنقد الذات، ومراجعة كثير مما كان يعتبر من قبيل المسلمات التاريخية، وبديهيات الواقع، بحثا عن أفضل السبل لتعزيز الوحدة الوطنية، حتى تستطيع الأجيال الموريتانية التعايش بمنأى عن ويلات الصراعات الداخلية، ونيران الحروب الأهلية التي تغرق فيها بلاد إفريقية ليست منا ببعيد، فلنكن صرحاء إذن حتى لا تبقى في النفوس أحقاد، ولا في النيات مشاريع خفية، ولنحترم منطق العقل فنتصارح قبل أن نتصالح. هل الشعب الموريتاني ينعم بوجود مجموعات عرقية ذات خصوصيات ثقافية، وأصول عرقية متعددة إلا أنها تجتمع في إطار وحدة ثقافية جامعة، تستمد ثراءها من هذا التعدد الذي يغذيها بروافد تزيدها تنوعا وانسجاما، ويفتح أمامها عوالم للاقتباس من إشعاع الثقافتين العربية والإفريقية، أم نحن أمام أمتين في دولة واحدة وثقافتين متنافرتين عجزتا عن التعايش فأفرزتا واقعا نفسيا وثقافيا لدى كل مجموعة، فباتت تتوجس خيفة على مستقبل "خصوصيتها" مما جعلها تعيد النظر في موقفها من الثقافة الموريتانية الجامعة، إن الاختلاف بين مكونات الشعب الموريتاني – مع الأسف – أعمق مما يحاول بعض الكتاب الحالمين تصويره: - في المجال الديني : لقد شرع الإسلام بناء المساجد وأمر بعمارتها بالصلاة والعلم والذكر تقوية لأواصر المحبة في المجتمع المؤمن، وإزالة للحواجز النفسية واللغوية بين أفراده، إلا أنها تبنى في موريتانيا لترسيخ الفجوة بين مكونات هذا الشعب، حيث تنزوي كل مجموعة في مساجدها، رغم وحدة المذهب الفقهي، و"الأخوة في الطريق الصوفي تارة"، وحتى إن الحراك " الدعوي" في مساجد " العرب" الذي يستهدف نشر تعاليم الإسلام لا تسمع له في مساجد الزنوج ركزا . في المجال الثقافي : - الثقافة الواحدة من أهم العوامل في تقوية اللحمة الاجتماعية؛ لأنها توحد الذوق والمشاعر، والحس المشترك، وتقلص الهوة النفسية بين المنتمين إليها، إلا أن الشعب الموريتاني ما زالت تنقصه ثقافة موريتانية جامعة تميز كينونته عن الدول المجاورة عربية كانت أو إفريقية، فلكل مجموعة في موريتانيا لهجتها العامية التي يتخاطب بها أفرادها في محيطهم الخاص، ولغتها الحية التي تتواصل بها نخبتها المثقفة مع الآخر في المجال العام، مما جعل التواصل بين مختلف مكونات المجتمع الموريتاني مرهونا بمعرفة اللغة الفرنسية، وما دامت معرفة اللغة الفرنسية بين الموريتانيين – عربا وزنوجا - قليلة فمعنى ذلك أن التواصل سيبقى مؤجلا إلى حين. - أن كل مجموعة متقوقعة على فنها إنتاجا واستهلاكا، ولا تتذوق فن المجموعة الأخرى، أحرى أن تعرف شيئا عن أبجدياته؛ مما جعل لكل مجموعة حفلاتها الفنية التي لا يحضرها أحد من المجموعة الأخرى، وإن أقيمت في مكان عام، إن الموريتاني العربي قد يهيم على وجهه طربا لسماع فنان خليجي، في الوقت الذي يبقى فيه جامدا، وهو يصغي إلى فنان موريتاني زنجي، و إن الزنجي الموريتاني لتذوب مشاعره وأحاسيسه، وهو يصغي إلى ترانيم فنان زنجي، أو أغنية فرنسية، بينما لا يحرك فيه فن إخوته العرب الموريتانيين ساكنا. في الوقت الذي لا يستطيع الخبير أن يفرق بين أمازيغي أصيل، وعربي قح في المغرب أو الجزائر من حيث الفن، فكلهم يتذوق فن الآخر، وقل الشيء ذاته عن مكونات الشعب السينغالي. - في المجال الاجتماعي: - يعد الزواج من المنظور الإسلامي والاجتماعي جسرا لتقوية أواصر المحبة بين الأسر والقبائل، ومع ذلك فإن التزاوج بين " البيضان و" الزنوج" أمر نادر الوقوع. - في الوقت الذي تنظر فيه المرأة العربية إلى تعدد الزوجات باعتباره شرا تضع الشروط عند العقد تفاديا له، فإن أختها الزنجية لا تجد غضاضة فيه، وتشير الإحصاءات - 1981 - إلى أن نسبة تعدد الزوجات تصل إلى 53,2% لدى سوننكي و 50% عند وولف، و35,9% عند بولار، في حين لا تتجاوز 3% عند البيضان. - يتزوج النساء الزنجيات مبكرا، و تقل بينهن العزوبة، كما يقل الطلاق مقارنة بالعربيات، ويمضين مع أزواجهن فترة أطول من العربيات. إن هذا التباين الثقافي والاجتماعي خلق حالة من العزلة الشعورية بين المجموعات المكونة للشعب الموريتاني في ظل التفاوت الاقتصادي، سرعان ما استغلته جهات سياسية لخلق حالة من الريبة تعزز من التقوقع على الثقافة الذاتية والتشبث بالتراث الضيق والإحساس المفرط تجاه ثقافة المجموعة الأخرى باعتبارها تمثل نقيضا يحاول "اغتصاب" ثقافة الآخرين، وهو ما جسده الإضراب المفتوح الذي شنه الطلبة الزنوج في ثانويات نواكشوط بتاريخ 4/1/1966 ضد إجبارية اللغة العربية، والبيان الموقع في 19/2/1966 من طرف المحتجين حيث جاء فيه " إن المجموعة الزنجية صممت بشكل لا رجعة فيه، أن تسترد حريتها وكرامتها بشكل كامل، وأن تختار بحرية ثقافتها وطريقتها في الحياة وفق حضارتها الزنجية الإفريقية" la communauté noire sont irréversiblement engagés à recouvrir intégralement leur liberté et leur dignité, à choisir librement une culture et un mode de vie conforme à leur civilisation négro-africaine إن كلمة الحضارة الزنجية الإفريقية ذات دلالة عميقة وإيحاءات كثيفة، وبالمقابل فإن أغلب النخبة العربية تصر على ضرورة " التعريب" بدءا من الرئيس المختار ولد داداه الذي صرح في خطاب ألقاه سنة 1967 " أن التعريب هو الهدف على المستوى البعيد، بعد إقامة نظام تعليمي مزدوج، لا يعدو كونه مرحلة انتقال بسيطة لتأهيل اللغة والثقافة العربية التي ستكون عليها نهضة قيمنا الوطنية" وهو الموقف ذاته الذي تصر عليه الحركات القومية معتبرة استمرار تهميش العربية، خطة عدائية تستهدف تغيير هوية موريتانيا الحضارية والتنكر لانتمائها العربي. وما زال التيار الإسلامي يحاول بلورة موقف وسطي عبر عنه الأستاذ محمد جميل منصور مؤخرا بقوله " ضرورة مراجعة القوميين العرب لمسألة التعريب ، و مراجعة القوميين الزنوج لموقفهم من العربية ، فالعربية باعتبارها لغة القرآن ، و نظرا لأنها بنص الدستور هي اللغة الرسمية للبلد ، و بالمناسبة هي لغة افريقية و هي بكل هذه الإعتبارات ينبغي أن تكون عامل جمع لا موضوع خلاف ، دون أن نطرح الموضوع في إطار التعريب الذي يفهم منه الإلحاق الذي يمنع التعدد و التنوع ثقافيا" أما حركة " افلام FLAM " التي تأسست بتاريخ 14/3/ 1983 بهدف تحرير الأفارقة في موريتانيا فتنطلق من مسلمات مغايرة لطرح الرئيس الأسبق المختار ولد داداه و لطرح الحركات القومية العربية، وهي لا تلتقي البتة مع طرح الحركات الإسلامية وفي ما يلي بيان لأهم هذه المسلمات: * أن محاولات إصلاح التعليم المتعاقبة إصلاحات غير وطنية تحركها إيديولوجية ذات بواعث إقصائية تستهدف فرض استعمال اللغة العربية لا ليستفيد منها الجميع، وإنما باعتبارها وسيلة لإقصاء الأفارقة الزنوج "، وهذا الموقف هو مجرد إعادة لما عبر عنه المحتجون من الزنوج في إعلان 19/2/1966 حيث يقولون بالحرف الواحد "أن البضان يعلمون أن مبالغتهم في التعريب ستقود الدولة الموريتانية إلى الفشل، إلا أنهم مصممون على ذلك، بسبب عقدة النقص أمام التفوق النوعي لأطر الزنوج".Les Maures savent qu'avec l'arabisation à outrance le pays va à l'échec. Mais y tiennent tout de même, animés qu'ils sont par un complexe d'infériorité devant la supériorité qualitative des cadres noirs. وعبرت " افلام" عن خلاصة موقفها من "اللغة العربية" ولا أقول "التعريب" بما يلي : " لا توجد ثقافة ولا لغة وطنية – يقصدون اللغة العربية - أفضل من اللغات الأخرى والثقافات الوطنية.Aucune culture,ni aucune langue nationale n´est en soi supérieure aux autres langues et cultures nationales ولعل النص التالي أكثر دلالة ووضوحا على موقف "افلام" من قضية التعريب les Arabo-berbères en général pratiquent l'Islam avec une forte teinte de racisme, de chauvinisme et d'obscurantisme. Leur arabisation les a amenés à croire qu'ils sont les dépositaires de cette religion en Afrique de l'ouest. " إن العرب البربر بشكل عام يطبقون الإسلام في أوضح شكل من العنصرية، والشوفينية، و"الظلامية" فتعريبهم قادهم إلى الاعتقاد بأنهم مؤتمنون على هذا الدين في غرب إفريقيا". * - أن نسبة الزنوج الأفارقة تمثل 40% من مجموع السكان. * - أن نسبة من تسميهم العرب البربر أقل من 20 % من مجموع السكان *- أن نسبة الحراطين تمثل 42 % من مجموع السكان. * - أن قانون الإصلاح العقاري الصادر سنة 1983 لا يعدو كونه قناعا قانونيا لإعطاء الشرعية لاستعمار رجال أعمال البيضان لأرض الزنوج الموريتانيين الزراعية. * - الموقف من الاستقلال الذاتي ترى "افلام" " أن كل الخيارات – كما قال السيد صامبا تام رئيس حركة " افلام" في حور أجراه معه موقع إلكتروني تابع لحركته في مارس سنة 2001 - يجب أن تبقى مفتوحة بما في ذلك الاستقلال الذاتي أو الانفصال التام، إذا وصل طريق الحوار والتعقل إلى انسداد كامل. toutes les options doivent rester ouvertes y compris l'Autonomie; y compris la séparation pure et simple, si la voie de la raison et du dialogue tournait à l'impasse. في هذا السياق التصاعدي والواقع المعقد وقعت أحداث 1989 لا بسبب نزاع عادي بين فلاني وسوننكي، بل لتراكم عوامل عديدة ثقافية واجتماعية واقتصادية، وسياسية، سرعان ما حولها التوظيف السياسي والشحن الإيديولوجي إلى عامل جديد عمق من الشرخ الاجتماعي لزيادة الفجوة بين مكونات هذا المجتمع، وهذا ما يحتم ضرورة استجلاء الأسباب الكامنة وراء تلك الأحداث الأليمة التي هزت الوحدة الوطنية، لمعرفة مدى علاقتها بهذا الواقع الثقافي والاجتماعي الذي ألمعت إليه آنفا، وبسياسة الأنظمة الموريتانية، وبالفكر الإيديولوجي للحركات السياسية، قصد " الاهتداء إلى الروابط الظاهرة والخفية التي تجمع بين شتاتها، وتجعل منها وحدة متماسكة الحلقات، متفاعلة الجزئيات" بدءا بتأسيس الدولة الموريتانية إلى يومنا هذا، لا لتحميل طرف مسؤولية ما أو إعطائه براءة فذلك أمر ثانوي مقارنة بمصالح شعب كتب عليه أن يعيش ممتزجا على هذه الأرض، بل من أجل استكناه أسباب التنافر بين مكونات الشعب الموريتاني، لأن الأسباب التي أنتجت حدثا تاريخيا في مرحلة معينة قادرة إذا بقيت كما هي شعور وجداني، وهاجس ثقافي، وواقع اجتماعي، أن تنتج حدثا مشابها، ويبقى تفسير " افلام" الذي ورد في بيان أصدرته في سبتمبر سنة 1989 للأحداث صريحا في عبارته قويا في دلالته غير موضوعي في تشخيصه ولا مستوعب في تحليله للأزمة Les événements d'avril étaient parfaitement prévisibles: ils sont la suite logique de la politique raciste appliquée en Mauritanie depuis l'indépendance et fondée sur l'accaparement, par la communauté beydane " إن أحداث إبريل كانت متوقعة تماما، لأنها النتيجة المنطقية للسياسة العنصرية المطبقة في موريتانيا منذ الاستقلال والقائمة على الاحتكار من قبل المجموعة البيضانية" mdelmehdi@gmail.com
* أنه يجب توحيد المناهج التعلمية لتكون اللغات الزنجية واللغة العربية جنبا إلى جنب مع اللغة الفرنسية؛ لأنهم يرون أن فرض تعليم اللغة العربية على "الزنوج" وإعفاء العرب من إجبارية تعلم ا اللغات الوطنية استعمارا ثقافيا.
الجمعة, 10 اغسطس, 2007
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








